رسالة .. إلى الرئيس آردوغان



                                        بسم الله الرّحمن الرّحيم

     ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾..
     في خبر عاجل ، اختفت أمامه الأخبار .. ونبأ صادم ، صعق لسماعه الأحرار .. وخطر داهم ، ابتهج لقدومه الكفار .. وقنبلة زلزت العالم ، وزعزعت الأمن والاستقرار ..
سمعنا بالانقلاب الإرهابي في تركيا .. انقلاب على الشرعية .. انقلاب على الجمهورية .. انقلاب على الديموقراطية .. انقلاب على الدستور ودولة الحق والقانون !!!
انقلاب .. انتفظ في وجهه الأحرار .. ووقف إلى جانبه الكفار ..
الأحرار ، الذّين يؤمنون بحقّ الشّعوب في اختيار حُكَّامهم ، بكلّ حريّة وسيّادة .. والكفار ، الذّين يكفرون بالحريّة والدّيمقراطية ، التّي ترفع الإسلاميّين إلى سدّة الحكم وإدراة شؤون الدّولة ..
وندّد الأحرار واستنكروا .. وهلّل الكفار واستبشروا ..
وقال الأحرار: ويلَكم ماذا تفعلون .. فقال الكفار: حكم البلاد مِلكنا فلا تسألون ..
وقال الأغرار الحاقدون .. لقد تمّت السّيطرة على القصر الرئاسي وكل المؤسّسات الأساسية في الدولة .. وقال الأقزام الشّامتون .. لقد فرّ آردوغان وطلب اللجوء السياسي .. وأعلن المتآمرون في مغارب الأرض ومشارقها ، عن نهاية حكم " الرئيس الإرهابي والحكومة الإرهابية " في تركيا .. وسكتت أميركا وصمت آذانها ، وصمتت أوروبا وبلعت لسانها ، وتركوا الإنقلابيين يفعلون فعلتهم .. هجموا على مؤسسات الدولة بالحديد والنار ، وخرقوا الدستور ، وداسوا قوانين الجمهورية بالدبابة والجرار ، وذبحوا الديموقراطية وإرادة الشعب ، بالسيف والمنجل والمنشار ... ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرهمْ وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال ﴾ .
     وفجأة .. ظهر الرئيس الهمام ، صارخا في عالم الظلم والظلام ، قائلا للشعوب ولكل الأنام :
" أيها العالم .. أنا هنا .. في بلادي .. فيها أحيا .. وفيها أموت .. وفي مقابرها أدفن ، ولكل أجل كتاب .
أيّها الشّعب : هذه بلادك بين يديك .. أنت السيد فيها ونحن خدّامك ، وأنت من يملك الحق بعد الله ، في تعيين الحكام وإزاحتهم ، ترفع من تشاء ، وتضع من تريد ، لاسلطان لأحد عليك ، إلا سلطان الله رب العالمين .
أيها الأتراك .. اخرجوا إلى الساحات فاملؤوها ، وانتشروا في الشوارع واعمروها .. مارسوا حقكم ، واثبتوا سيادتكم ، وقرروا قراركم .."
    ولأن إرادة الشعوب من إرادة الله .. فقد كان حتما مقضيا ، أن ينقلب السحر على الساحر، ويغرق الغادرون في البئر التي حفروها ، وصدق الله العظيم ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾.
وبقدرة العزيز القدير ، وتدبير الحكيم الخبير ، فشل الانقلاب وانتحر ، وولى المعسكر الغادر واندحر ، وعاد الحق إلى أصحابه وانتصر ..
وانهزمت تركيا العلمانية العسكرية ، وأفل نجمها .. وانتصرت تركيا الشعبية الديمقراطية ، وبزغ فجرها .. وستعود تركيا العثمانية ، وتسطع شمسها ، بعون الله وقوته ، ثم جهود الشعب المغوار ، وكل الحرائر و الأحرار ..

السيد الرئيس :
    حياك الله وأيدك وبياك ، وجعل الجنة متقلبك ومثواك ، والحمد لله على نعمته وفضله ، والشكر له على ستره وحفظه ﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
إن أبناء الجبهة الإسلامية للإنقاذ سابقا ، ورجال الجيش الإسلامي للإنقاذ لاحقا ، وفرسان جبهة الجزائر للمصالحة والإنقاذ حاليا ، يعلنون تضامنهم الكامل اللامحدود ، ودعمهم الشامل اللامشروط ، لدولة تركيا الرشيدة ، رئيسا وحكومة وشعبا ، ضد كل المحاولات التآمرية اليائسة ، من أي طرف كان .. داخليا وخارجيا .
إن موقنا هذا يأتي منسجما ، مع موقف دولتنا في الجزائر ، الذي عبر عنه السيد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ، في بيان رسمي ، ندد فيه بالإنقلاب الغادر ، ووقف إلى جانب دولة الحق والقانون في تركيا ، وأعلن دعمه الكامل للمؤسسات الشرعية فيها ..كما يأتي مؤيدا ومؤازرا ، للمساعي الحميدة ، التي باشرها المنتدى العالمي للوسطية ، الذي يحاول جاهدا مساعدة الحركة الإسلامية في تركيا ، بشقيها السياسي والخدماتي ، حتى تخرج من هذه المحنة ، سالمة منتصرة وبأخف الأضرار .
ونحن إذ نعبر عن هذه العواطف الصادقة ، والمواقف التي لانرجو من ورائها ، إلا نصرة الحق والدفاع عن القضايا العادلة .. فإننا ندعو القائمين على شؤون الدولة في تركيا ، وخاصة السيد الرئيس ، الذي عرفناه مسلما ملتزما داعيا ، قبل أن يعرفه الناس رئيسا حاكما قاضيا .. أن يتمسك بهدي الرسل والأنبياء ، وأخلاق الصالحين والأولياء ، وأن يجمع بين الحزم واللين ، والقوة والرفق ، والعقوبة والعفو .. ويبقى رئيسا لكل الأتراك ، ومن الأتراك خصومه وأعداءه ومخالفوه ، لا يفرق بينهم في تطبيق الحق والقانون ، ليعطي بذلك درسا ، في الحكم والسياسة والعدل ، للعدو والصديق ، القريب والبعيد ، القوي والضعيف ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.

وإذا كان من حق الرئيس وأعوانه ، اتخاذ الإجراءات اللازمة ، لقطع دابر الانقلابيين ، ومحو أثرهم وقبر مشروعهم .. كذلك فإن من واجبه أيضا ، أن يعمل جاهدا على حماية تركيا ، من الأخطار التي تفرزها تداعيات الانقلاب .. ولن يكون ذلك إلا بإنشاء هيئة وطنية لحماية وإنقاذ تركيا .. تجتمع فيهاكل الأطراف السياسية والاجتماعية ، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم ، ومعهم لجنة شرعية منتخبة ، من أهالي الانقلايين ومن آزرهم .. ليكونوا جميعا شركاء وشهودا .. في قرارات العدالة العقابية الرادعة ، وفي قرارات العفو الرئاسية المانعة .. هذه تردع التمرد والعصيان ، وتلك تمنع الظلم والطغيان وتصفية الحسابات .. ولإن يخطئ القاضي في العفو أفضل له من أن يخطئ في العقوبة ..
﴿ إن اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗإِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾..

السيد الرئيس الأخ الطيب آردوغان :
     اعلم نصرك الله ورفع شأنك ، وأظهرك على أعدائك ، أن من أوجب واجبات المسلم نحو أخيه المسلم ، واجب النصرة والتحذير ، والأخوة والتقدير ، والنصيحة والتذكير .. جاء هذا في حديثين عظيمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال :
" المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه " .. وقال كذلك " الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله ، قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "
وأنت مسلم سيدي الرئيس .. والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، الناس كافة .. فمابالك بالمسلمين المؤمنين ، ورجال الدعوة العاملين ، ورفقاء الدرب المناضلين ، الذين كنتم وأياهم ، وحتى الأمس القريب ، تناضلون معا ، وجنبا إلى جنب .. سهرتم الليالي الطوال ، وتحملتم الأعباء الثقال ، وقدمتم النفس والنفيس ، وبدلتم الغالي والرخيص ، من أجل أن تصبح تركيا على ما هي عليه الآن ، ولتكون أفضل وأحسن في القادم من الأعوام إن شاء الله ، وما ذلك على الله بعزيز ...

السيد الرئيس :
    إن العفو عند المقدرة ، من أخلاق المؤمنين السامية ، وشيم الرجال العالية .. وقد كان العفو، من سجايا الشجعان عند الأولين ، وأصبح ، من مكارم الأخلاق عند المسلمين ، وخاصة عند نبينا صلى الله عليه وسلم ، والخلفاء الراشدين من بعده ، ومن اهتدى من التابعين بهديه .. وفي معاملة القائد صلاح الدين الأيوبي لخصومه وأعدائه ، دروس وعبر ، لا تخفى على رجل من أمثالك ، فضلا على داعية مسلم في مقامك .. ويرحم الله شاعر الأمة أحمد شوقي :
تخلَّقِ الصَّفْحَ ، تَسْعَدْ في الحيَاةِ بِهِ فالنَّفْسُ يُسْعِدُهَا خُلْقٌ ويُشْقيهَا
تَسَامُحُ النّفْسِ معْنى مِنْ مُرُوءَتِهَا بَلِ المُرُوءَةُ في أسْمى مَعَانِيهَا
الله يعْلَمُ مَــا نَفْسِي بِجاهِلةٍ مَنْ أَهْلُ خِلَّتِهَا ممَّـنْ يُعَادِيهَا
والنَّفْسُ إِنْ كَبُرَت رَقَّتْ لحَاسِدِهَا واسْتَغْفَرَت ْكَرَماً منها لِشَانِيهَا
ولأن الذكرى تنفع المؤمنين ، وتفتح أبصارهم على الحق المبين .. رأينا أن نذكركم بموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من عدو الله ورأس النفاق والشقاق ، عبد الله بن أبي بن سلول ، وقد جاء بعض الصحابة يستأذنونه في قتله ، بعد خيانته اللئيمة النكراء ، وأفعاله الشنيعة الخرقاء .. قال لهم عليه الصلاة والسلام " دعوه لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " .

أيها الرجل الطيب لقبا و اسما .. كن رجلا طيبا حقا وصدقا .. فإن الله يرفع الطيبين المتواضعين إلى الدرجات العلى ، ويعطي على الرفق واللين ، ما لا يعطيه على القوة والعنف .. ويزيد أهل العفو بعفوهم ، عزا وقوة وتمكينا .. وأحسن كما أحسن الله إليك ، تنجح في الدنيا وتفلح في الآخرة .. ولك في قول الله عز وجل ، ما يهديك إلى الحق ، ويطمئن قلبك بالصدق ، ويثبتك على الصراط المستقيم .. قال الله تعالى :
﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾

عاشت تركيا وجميع بلاد المسلمين ، في دولة العز والخير والنماء ، والأمن والستر والهناء ، والسلم والمحبة والإخاء .. ودمتم في رعاية الله وحفظه ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
                                                                                                  أخوكم .. مدني مزراق
الأربعاء : 29 شوال 1437هـ
الموافق : 03 أوت 2016 م