غفر الله لنا ولكم

وُزّع هذا البيان على من يهمهم الأمر في التاسع من ذي الحجة 1433هـ الموافق لـ 25 أكتوبر 2012م. وأرسل إلى الصحف في ثاني يوم من عيد الأضحى المبارك.
                                                
                                             بسم الله الرحمن الرحيم

باسمك اللهم نستفتح ونبدأ ، و بتوفيقك نقول ونكتب ، و بقدرتك نصول و نجول ... فيسر اللهم الأمور ، و اشرح الصدور ، و احلل عقدة من اللسان ، يفقهوا الكلام ، و يفهموا المرام ..

يا أبناء الشعب الجزائري المسلم .. يا أوفياء الجبهة الإسلامية الثابتين .. يا رجال الجيش الإسلامي الصادقين  .. يا أصحاب المروءة والوطنية.. يا جنود الحق وصناع السلام .. يا أهل الصلح والمصالحة والوئام .. حياكم الله وبياكم ، وجعل الجنة متقلبكم ومثواكم .
    أنتم يا من صلى وصام .. وزكى وقام .. وأقبل على الله ، مستغفرا ذاكرا ، وحامدا لأنعمه شاكرا .. دعوتم إلى الله على بصيرة .. وبلغتم رسالته عن بينة .. ووصلتم إلى قلوب الناس ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإلى عقولهم ، بالكلام الجامع والدليل القاطع ، والحجة الدامغة .. فهُديتم وهديتم .. وصلحتم وأصلحتم .. ونصرتم دين الله ، فنصركم على أنفسكم وغواياتها ، وأبطل كيد الشيطان الرجيم وشركه ، وقهر أعداء الحق وأشياعهم .
... نخاطبكم اليوم .. مستعينين بالله ، طامعين في كرمه ، أن يجعل ما يخطه القلم ، نورا ساطعا ، ودواء نافعا ، وحقا دامغا ..
نور ، يبدد ظلمة العقول .. ودواء ، يشفي الصدور .. وحق ، يدمغ الباطل ، ويفسد سحر الساحر ، ومكر الماكر ، ويثبت القلوب على صراط الله القائل : ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) .

أيها الشرفاء .. لستم ممن أخطأوا الطريق أو ضلت بهم السبل .. فقد هداكم الله بالإسلام ، وشرح به صدوركم .. بل أنتم مؤمنون صادقون ، سمعتم داعي الله ينادي .. فلبيتم .
﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾ .

ولستم بالمجرمين ولا بالارهابيين .. ولن تكونوا كذلك أبدا ، مادام الإيمان يملأ قلوبكم .. بل أنتم غيورون شجعان ، قرأتم نصيحة الله لعباده .. فسمعتم و أطعتم .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

ولستم ’بالتائبين‘ كما يروّج خصومكم وأعداؤكم .. فقد كفرتم بالجبت والطاغوت ، وآمنتم بالله ورسوله .. وكنتم الرجال ، يوم عزّ الرجال .. ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ ..
و لأنكم فطرتم على الإسلام ، ونشأتم على حب الخير ، ودأبتم على التنافس في العمل الصالح واستباق الخيرات .. فقد اخترتم عن إيمان وبصيرة ورضا ، الإنحياز إلى فئة الله ورسوله ، طائعين مؤمنين .. و صبرتم ، فثبّتكم الله على الحق مع أهل الحق ، وصَدَقتُم ، فأعانكم على الصدق ، ووفيتم ، فكنتم أهل الوفاء ، وضحيتم ، فكنتم أهل البدل والعطاء ..
أنتم الذين لم تندموا ولن تندموا أبدا ، على قليل أو كثير ، رخيص أو نفيس ، قدّمتموه في سبيل الله .. أنتم الذين سعيتم سعي الصادقين ، ورجوتم أن تكونوا ممن قال فيهم الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
... أنتم الذين فكرتم وقدرتم ، واستشرتم واستخرتم ، حتى إذا تبينتم الرأي و تجلى لكم الحق ، عزمتم  فتوكلتم على الله ، وقرّرتم قراركم ، وحدّدتم وجهتكم ، واخترتم مصيركم ، متسلّحين بالنية الحسنة ، والإخلاص الصافي ، والزهد في الدنيا وزينتها ، والطمع فيما عند الله ، وما عند الله خير وأبقى لعباده الصالحين .

أيها الرّجال .. يا أهل الغيرة و المروءة ..
            لقد عشنا وإياكم أعوام الدعوة إلى الله صابرين محتسبين ، لم يكن لنا فيها من غاية إلا طاعة الله ورضاه ، ووعظ الناس وإرشادهم ، وهدايتهم إلى صراط الله المستقيم .. فاتُّهِمنا بالبطلان ، وجُررنا المرة بعد المرة ، إلى مخافر الشرطة والدرك ومكاتب التحقيق ، ليُلقى بنا في غياهب السجون ، ظلما وعدوانا ، بغير ذنب اقترفناه ، أو جُرم أتيناه ، إلا أن جَهَرنا بالحق وقلنا ربّنا الله .. ورغم الزور والبهتان والطغيان .. لم نَثُر ، ولم نرفع السلاح في وجه أحد ، رغم أن القهر قد أفتى ، والجور وقَّع لردع الغاصبين المعتدين .
وبالصبر تجمّلنا.. فصبرنا ، وصبّرنا ، واصطبرنا  .. إلى أن أذن الله وجاء عهد الانفتاح و التعددية ، فاستبشرنا خيرا ، وصدّقنا كذبة اللعبة الديمقراطية ، وانخرطنا في العمل السياسي ، واحتكمنا إلى صناديق الاقتراع ، منتهجين الأساليب السلمية ، طمعا في تحقيق الحلم المفقود ، وإقامة الدولة الإسلامية .. الدولة الإسلامية التي لم تكن تعني لأغلبنا ، غير تجسيد المشروع المجتمعي ، الذي ضحى من أجله الآباء والأجداد ، ولخّصه شعار ابن باديس الخالد .. الإسلام ديننا .. والعربية لغتنا .. والجزائر وطننا .. وأكده وفصل فيه شهداء ثورة نوفمبر المجيدة ، بحرصهم وإصرارهم ، على إقامة دولة جزائرية مستقلة وذات سيادة ، ديمقراطية واجتماعية ، ضمن إطار المبادئ الإسلامية .
... ولقد شهدتم وشهد العالم .. كيف صفع الشعب الجزائري المسلم السيد ، دعاة المسخ والتغريب والتبعية لفرنسا الاستعمارية ، وأشهر البطاقة الحمراء في وجوههم .. وكيف وقف إلى جانبنا عن طواعية ورضى ، و ناصرنا وقَبِل المشروع الذي عرضناه عليه ، في ثلاث محطات فاصلة .. البلديات .. الولايات .. البرلمان ..

وبينما كنا ننتظر مع شعبنا استلام السلطة ، كما نصّ على ذلك الدستور وفصّلته قوانين الجمهورية ، وجدنا أنفسنا بين عشية وضحاها ، وبقوة الحديد والنار ، خارج اللعبة السياسية .. فلا برلمان .. ولا حكومة .. ولا حزب .. ولا دار .. ولا دوار ..
وبقوة الحديد والنار ، وتواطؤ الدول العظمى ، وتحت شعار ’حماية الديمقراطية والنظام الجمهوري ، تربّعت على سدة الحكم ، الأقلية القليلة المنهزمة في الانتخابات ، لتتحكم في رقاب شعب لا يريدها ، وترهن مصير وطن بمساحة شبه قارة كان مرشّحا ليتبوّأ مكانة رائدة على المستوى القاري والعالمي ...
.. وبالانقلاب على إرادة الشعب ، والتنكر لنتائج الصناديق الشفافة ، والانتخابات التي شهدوا بعظمة لسانهم أنها حرّة ونزيهة .. انهارت دولة القانون .. وانقطع حبل الثقة بين الحاكم والمحكوم ، وعمت الفوضى ، واختلط الحابل بالنابل ، واصطدم الحق بالباطل ، ومُلِئت المخافر والسجون والمحاشر .. و كان طبيعيا أن تطغى بعدها لغة الرصاص والقنابل .. فكان النهب والحرق والتنكيل .. وكان المفقود والمقتول والقاتل ..
وكغيركم من أبناء الشعب المقهور المحقور ، التحقتم بالجبال مُكرهين ، مرغمين غير مخيرين ، دفاعا عن أنفسكم ، و على ضوء ما جاء في كتاب ربكم :
﴿  أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ ..
.. وانتصارا لشعبكم :
﴿  وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ ..
.. وطاعة لربكم :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ ..

.. ورغم المصاعب والعقبات التي اعترضت سبيلكم ، والمخاطر التي هددت حياتكم ، والفتن التي هجمت عليكم كقطع الليل المظلم ، فقد صمدتم وحاولتم جهدكم ، وحرصتم ما استطعتم على الوقوف عند حدود الله ، والعمل بهدي رسول الله :
« انطلقوا باسم الله ، وبالله ، وعلى ملّة رسول الله ، ولا تقتلوا شيخا فانيا ، ولا طفلا صغيرا ، ولا امرأة ، وأصلحوا وأحسنوا ، إنّ الله يحب المحسنين ».
 وواصلتم السير على نهج الحق المبين ، شهرا بعد شهر، وعاما بعد عام ، كان زادكم خلالها تقوى الله ، وعبادتكم القيام والصيام ، والذكر على كل الأحوال ، وكان جهادكم أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، وردع ظالم ونصرة مظلوم .. وكذلك كنتم و لازلتم .. حتى إذا رأيتم شحا مطاعا ، وهوى متّبعا ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، وتحول النهي عن المنكر إلى منكر أعظم ، والجهاد إلى اعتداء وانتهاك للحرمات ، وأصبح الخطر يتهدد الدين في قداسته و حقيقته ، والشعب في وجوده و عرضه وكرامته ، والوطن في استقلاله ووحدته و سيادته .. كانت لكم الشجاعة اللازمة ، والغيرة الكاملة ، والموقف الحازم الحاسم ، فصدعتم بكلمة الحق و لم تخافوا في الله لومة لائم ، ووقفتم في وجه القريب قبل البعيد ، والصديق قبل العدو ، وتصديتم لكل خائن و منحرف و ظالم ، وفتحتم بابا للفرج كان مقفلا ، وسرتم على طريق السلم والمصالحة والوئام ، متوكلين على الله رب الأنام ، الذي قال في محكم التنزيل و سورة الأنفال :
﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

.. ورغم حسن بلائكم ، وصدق مسعاكم ، وما قدّمتموه من تضحيات وتنازلات في سبيل الله ، رحمة بالشعب ، وحبا في الوطن .. فقد تجرّأ قوم ، مستغلين حياءكم ، وتطاول آخرون ، غرهم سكوتكم .. ويرحم الله أبا الطيب :
وجاهل مدّه في جهله ضحكيحتى أتته يد فرّاسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا تظنن أن الليث يبتسم
 أما الذين تجرأوا ، فقد مر عليهم زمن ، كانوا يُزايدون فيه بقضية الجيش الإسلامي للإنقاذ ، ويحتمون بمظلّته ، ويعيشون من سُمعته .. فاتهموكم بالاستسلام تارة ، وبالخيانة تارة أخرى ، لا لشيء ، إلا لأنكم وُفّقتم إلى القرار السياسي الصائب ، الذي غاب عنهم وأخطأوه .. وبارك الله سعيكم ، فصنعتم السّلم الذي عاد بالجزائر من بعيد ، بعدما عجزوا عنه وضيّعوه .. و ليتهم توقّفوا عند هذا الحد ، لَكُنا غضضنا الطرف وقلنا متجاوزين : هي انفعالات قوم ، حبسهم الجبن والطمع عن ركب المسيرة ، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف ، وقعدوا مع القاعدين .. لكنهم و يا ليتهم لم يفعلوا ، ذهبوا مذهبا لئيما ونهجوا نهجا مضللا ، وعادوا على أعقابهم ينكصون .. فتبرّأوا من الجهاد ، بعدما طبّلوا له طويلا وهلّلوا ، و تنكروا لمبدإ المطالبة و المغالبة ، الذي تبجحوا به كثيرا و أرغوا وأزبدوا .. ثم زادوا بعد ذلك على الذنب ذنوبا ، والخطأ أخطاء ، فشكّكوا في الرجال الأطهار الشرفاء ، الذين تقدّموا الصفوف وتصدروها ، عندما أحجم غيرهم وتأخر، وروّجوا عنهم أكاذيب ، تفيد أن الجماعات المسلحة كلها من صنيع النظام ورجاله .. وأقسم بالله العظيم غير حانث ، أنهم يعرفون يقينا ، بأنهم يقولون منكرا من القول وزورا﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾

... وأما الذين تطاولوا ، فلفيف من المسؤولين في الدولة ، والسياسيين والإعلاميين والمثقفين ، جميعهم ينتمون إلى التيار الاستئصالي أو يتمسحون بأذياله ، هذا التيار الذي انهزم في الإنتخابات شر هزيمة ، فانقلب على الشرعية وخرق الدستور وداس القانون ، و أشعل نار الحرب وأجرم في حق الشعب .. ثم اختبأ بعدها متحصنا في المحميات ، لا يخرج منها إلا إذا طلعت الشمس واشتعل وهجها في كبد السماء ، ولا يتحرك إلا في موكب مدجج بالأسلحة ، كعروس تخاف أن تختطف أو تغتصب أو تسبى ، أو ترمي بها الريح في فج سحيق .. وفي الوقت الذي انشغل أبناء الشعب بالحرب و الإقتتال فيما بينهم ، هذا بدافع الدين واسترجاع الحق المغصوب ، وذاك بدافع الواجب الوطني وحماية الدولة .. إنفرد أعداء الله و الأمة بالآمنين و العزل ، يصفون الحسابات وينتقمون .. وخلا الجو للأفاعي و الدينصورات ، فنهبوا الأموال وهربوها ، ولغموا البلاد ليدمروها ، ونأوا بأنفسهم وأولادهم بعيدا يتفرجون ، ينتظرون نهاية الجزائر ...

وكذلك كان الحال .. إلى أن تحاور وتفاوض الرجال مع الرجال ، وتوصلوا إلى اتفاق ، يضع حدا للاقتتال ، وتجرأ الرئيس بعدها و تشجع ، ونادى في هؤلاء وهؤلاء .. أن توقفوا ، وكفوا عن الخصام والنزال .. فلا غالب ولا مغلوب بين أبناء الجزائر .. كلكم سواء ، الحليق والملتحي ، والمتبرجة وصاحبة الجلباب ، كذلك العسكري وصاحب العمامة والبنجاب ..
عنذئذ .. وعندئذ فقط .. خرج سكان المحميات خائفين يترقبون ، وقالوا وهم يتساءلون : أصحيح ما تسمعون ؟ أم هي خدعة أخرى ، تسقينا كأس المنون ؟.. فلما تأكدوا من صحة البيان ، وشعروا بتفشي الأمان ، تنادوا وهم فرحون : أن هلموا .. قد عم السلام .. قد عم السلام .. ألا فليحيا الوئام ، ألا فليحيا الوئام .
ومع مرور الأيام ، تأكدّت عودة الأمان والسلام ، و شيئا فشيئا ، ولّى الخوف والرعب الأدبار واختفى ، و اطمأن الناس ، فاطمـأنت قلوبهم ، و استقرت نفوسهم ، ورجعت إليهم عقولهم ، وبدأوا حياتهم من جديد .. وقد تعلموا جميعا من سنوات الدم والدمار ، بأن الجزائر وطن لكل أبنائه ، أينما ولدوا وأنى كانوا وحلّوا وارتحلوا ، ومهما كانت ألوانهم السياسية ، ومدارسهم الفكرية ، أو لون بشرتهم ، أو السلالة التي انحدروا منها .. كما اقتنعوا قناعة راسخة ، بأن الثوابت والقيم ، هي الرابط المتين الذي يربطهم ، والمظلة الواقية الحامية التي يتعايشون تحت ظلالها ، لا فرق عندهم بين أهل الشرق وأهل الغرب ، وأهل الجنوب وأهل الشمال ، إلا بالاستقامة والانضباط وحب الوطن .. وإذا كانت هذه هي حالة الأغلبية الغالبة من أبناء الشعب الجزائري المسلم ، فقد شذّت عن القاعدة فئة تغريبية مستڤورة ، حتى لا نقول فرنسية متصهينة ، وراحت تهلل وتطبل لانتصارها المزعوم ، وتسوق لتجربتها المشينة ، دون حياء أو خجل ، فنظّم رموزها لذلك مؤتمرات ، وألقوا فيها محاضرات ، وجنّدوا لترويج أفكارهم المريضة وادعاءاتهم الباطلة ، جيشا من السياسيين المفَبرَكين ، والإعلاميين المأجورين ، والمثقّفين الممسوخين ، محاولين تغيير حقائق التاريخ ، وتشويه سمعة أهل الحق ، وتبييض صفحة أهل الباطل .. فكذبوا وافتروا ، وزوّروا ودلّسوا ، وضلّوا وأضلوا ، وصرخوا عبر أبواقهم المسموعة و المرئية ، المكتوبة و المروية : قضينا على الإرهاب ، وقبرنا دولة الإسلام ، فلا سياسة بعد اليوم ولا كلام ، ولا عودة إلى سنوات التسعين ، لا في اليقظة ولا في المنام .

أيها الإخوة الأعزّاء ..
     لقد تجرّأ الجبناء وافتروا فريهم ، وتطاول الأقزام و روجوا زورهم ، وقد سمع الناس ما قالوا وكتب الله شهادتهم .. أما أنتم فقد خاطب العزيز الحكيم كل صادق فيكم ، وقال ما قاله للسابقين أمثالكم :
﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ ..
ثم ماذا عساكم أن تفعلوا غير هذا .. إن قدركم ، هو المضي قدما على طريق الدعوة والنضال ، جهادا في سبيل الله ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، وقول الصدق ، والجهر بكلمة الحق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في حدود ما سمح به الشرع الحنيف .. فاستمسكوا بالعروة الوثقى و بحبل الله المتين و ﴿ اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ..

أيها الإخوة الأكارم .. إن سعينا اليوم ، يتوقف نجاحه على تحقيق ثلاثة أهداف واضحة :
  • الدفاع عن تاريخ وشرف وكرامة ن كل رجال الجيش الإسلامي للإنقاذ ، ومن ناصرهم أو تعامل معهم . وذلك بتوضيح الملابسات التاريخية ، والمنطلقات الفكرية والتنظيمية ، والأهداف المسطرة ، التي رسمت وحددت مسيرة الجيش الإسلامي للإنقاذ ، مع التأكيد على حقيقة وشرعية المفاوضات ، التي تمت مع قيادة الجيش الوطني الشعبي ، والاتفاق التاريخي الذي تحقق إثر لقاءات رسمية ، حضرها الجيش الوطني الشعبي بضباطه السامين في قيادة الأركان ، والجيش الإسلامي للإنقاذ بقادته المفوضين ، والرئاسة بممثل الرئيس وأمين سره .
    إن مطالبة رؤوس النظام الحاكم ، بالوفاء لنا ولكل أبناء الشعب ، الذين تضرروا بسبب المحنة التي عاشتها البلاد ، واكتوى بلهيبها العباد ، هي فرض عين علينا ، وأمانة ودين في رقابنا ، وهو مطلب لا يجوز السكوت عنه ، أو التنازل بشأنه .. إذ أن التخلي عنه خيانة .. والمصالحة من دونه تبقى سرابا في سراب .. وخدعة ملفوفة في شعار و خطاب ، يبرر الظلم والتنكيل وقطع الرقاب ..
    فإذا أراد رجال الدولة وأصحاب القرار فيها ، وفي مقدّمتهم رئيس الجمهورية ، أن يعيدوا الأمور إلى نصابها ، والحقوق إلى أصحابها ، ويجعلوا من المصالحة حلا نهائيا مدروسا ، وواقعا سياسيا واجتماعيا ملموسا .. فما عليهم إلا أن يستدركوا الأمر ، ويسارعوا بتنفيذ الخطوات التي سبق الكلام فيها والاتفاق عليها ، وأكدناها في خطابنا الأخير إلى رئيس الجمهورية ..
  • الرجوع إلى أداء المهمة الربانية ، وتبليغ الرسالة الإلهية , التي جاء بها الرسل والأنبياء ، وورثها عنهم العلماء والأولياء ، وتبعهم وسار على نهجهم الصالحون والأوفياء .. حتى وصلت إلينا ناصعة بيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك .. نسأل الله الهداية والثبات والتوفيق والسداد ...
    فبالدعوة إلى الله والتمسك بهدي رسوله ، تيَسّر العسير ، وذُلِّلَت الصعاب ، وفتحت الأبواب ، وملأ الإيمان قلوبا كانت خاوية ، ودخل النور عقولا كانت مظلمة ، ورُممت بيوت خرّبها العقوق والمعاصي ، وعُمّرت مساجد أفرغتها الغفلة والملاهي ، وانتشر الإسلام والسلام ، وعمّ الأمن والأمان ، وساد الحب والوئام ، وحلّت البركة في الرزق ، فكثُر الخير وعم الرخاء ، وتزينت النفوس بالصبر والقناعة ، وأصبح الناس أعزة أقوياء ولو بالعدد الضئيل ، وعاشوا كرماء أغنياء ولو بالمال القليل ...
     فالدعوة إذا ، هي الأصل الذي وجب الرجوع إليه ، والتمسك به ، والعمل في إطاره .. وغيره ، فروع تخدمه وتدعّمه وتقوّيه .. ومن هذه الفروع : العمل السياسي .. هذا الذي استهلك رصيد الحركة الإسلامية في الجزائر كاملا ، وجرّد الدعوة من رجالها ، وأفرغ ساحتها ، وتركها صحراء قاحلة ، لا تنبت كلأ ولا زرعا .. لأن منبثين لم يقّدروا الأمور حق قدرها ، ولم يحسبوا لعواقب الأحداث وتداعياتها ، ولم ينظروا جيدا في أسرار القاعدة الذهبية وحكمتها ’’درأ المفاسد أولى من جلب المصالح‘‘.. قرروا و هم في عجلة من أمرهم ، المغامرة بمجموع رأس المال الدعوي للحركة الإسلامية ، في مشاريع سياسية متعددة ، هم فيها كالتاجر الجديد الغريب في بلاد الصين ، الذي يجهل لغتهم وعاداتهم ، لايعرف من أين يبدأ ، ولا أين يذهب ن ولأي مصير يقوده قدره ...
    وفي لحظة ضعف أمام زينة الدنيا وغوايتها ، وحالة جنون بسلطة المناصب وسحرها ، وهستريا الشهرة وهتاف الجماهير .. وجدنا أنفسنا جميعا ، نغرق في مستنقع السياسة الموبوء الآسن ، بعدما كنا نسبح في بحر الدعوة النظيف ، الطاهر المبارك ، فكان الذي كان .. والأدهى والأخطر ، أن متعالمين فينا ومنا ، طال عليهم الأمد ، فقست قلوبهم وطاشت عقولهم ، جوّزوا ما لا يجوز ، وبرّروا ما لا يُبرَّر .. وجعلوا الفرع أصلا .. والأصل فرعا .. فضعنا بضياع الدين ، وكثرت لامات الإستفهام والشك ، بعدما ابتعدنا بالناس ، عن طريق الدعوة ونور اليقين ..
  • بناء على ما سبق ، وبعد المشورة وإمعان الرأي ، وتغليب الراجح على المرجوح ، و حتى نقطع الشك باليقين ، و نضع النظام ورجاله ، أمام مسؤولياتهم التاريخية والتزاماتهم الأخلاقية .. قرّرنا أن ننتظم مع كل الخيرين الصادقين من أبناء شعبنا ، وبصفة رسمية وقانونية ، في جمعية دعوية خيرية نضالية ، بأبعاد إصلاحية تربوية إجتماعية وسياسية .. تنفتح على كل الشرائح ، وتقف منهم عل مسافة واحدة ، هدفها ، خدمة العباد و هدايتهم ، و إنقاذ البلاد و تعميرها ...

    أما البعد الأصلاحي فيها : فأساسه ، أن نصلح أنفسنا وأهلنا ، وننشئهم على الأخلاق الإسلامية الحميدة ، والمبادئ القرآنية العظيمة ، تصديقا لقول الله عزّ و جل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ، وعملا بقول الرجل الصالح ، والعالم العامل : ’’ أقيموا دولة الإسلام في أنفسكم تقم في أوطانكم ‘‘.

    أما التربوي : فبالعودة إلى المسجد .. بيت الله ، أين يجتمع في هيبة وخشوع ، مختلف شرائح المجتمع من المؤمنين .. الصغير والكبير .. المرأة والرجل .. الأستاذ والطالب .. البائع والشاري .. الحاكم والمحكوم .. وهؤلاء جميعا ، هم جنود الله وأهله ، الذين يحملون رسالة المسجد الهادفة ، إلى البيوت والمدارس والجامعات والأسواق ، ومختلف أماكن العمل والتجمعات السكنية ...

    أما الإجتماعي : فأن نأتي من الخير ما استطعنا ، بالأفعال و الأقوال .. فالكلمة الطيبة صدقة ، والدال على الخير كفاعله .. وأن نحيي النزعة التضامنية بين أفراد المجتمع ونقويها ، ونتعاون على البر والتقوى ، ولا نتعاون على الإثم والعدوان ...

    أما السياسي : فبالمساهمة في إصلاحه وترقيته وأخلقته .. وتطعيم الساحة ، بالرجال الأكفاء ، والأفكار القوية ، والبدائل المفيدة الممكنة التحقيق ، التي تساعد وتسهّل بناء دولة الشهداء الأبرار والمجاهدين الثوار ..
    دولة مستقلة سيدة ، ديمقراطية واجتماعية ، ضمن إطار المبادئ الإسلامية ...
    ونقصد بالدولة : الأرض ، والشعب ، والسلطة .
    فالأرض : بحدودها المحمية ، وكنوزها الباطنة المخفية ، وتربتها الظاهرة السخية .
    والشعب : بدينه الحنيف وقيمه العريقة ، وتاريخه الطويل وثقافته الأصيلة ، وحرّيته التي سالت من أجلها الدماء ، وسيادته التي استُرجعت بالجهاد والفداء .
    والسلطة : بمؤسساتها و أجهزتها ورجالها ، الذين فوضهم الشعب السيد ، عن طريق الإقتراع الحر والنزيه ، لتسيير شؤون الدولة ..
    فالدولة هذه .. هي دولتنا ، التي نحن منها وبها ولها .
    أرضها : نشارك في خدمتها ، ونتعاون على حمايتها ، ونعيش من خيراتها .
    شعبها : نعتز بأصوله ، ونفتخر بأمجاده ، ونتحمّل أخطاءه ، إذ أنه أبونا الذي نحن منه وله ، وصدق رسول الله ’’ ليس منا من لم ينتسب لأبيه .‘‘
    سلطتها : مهما كان حزبها وانتماءها .. فنحن معها وإلى جانبها إذا أحسنت ، وننبهها وننصحها إذا أخطأت ، ونقف في وجهها ، ونحاكمها ونحاصمها ، إذا أصرّت على الخطأ والظلم وتعنّتت .
    .. في هذه الدولة .. نتمتع جميعا بحقوقنا المدنية دون نقصان ، ونؤدي واجباتنا كاملة دون عصيان .. بروح المؤمن الصادق ، وقلب الوطني الغيور ، وعقل المواطن الواعي المسؤول ، الذي يقدم دوما الأصل قبل الفرع ، والمصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة .. فمصلحة الدين والقيم والثوابت ، قبل مصلحة الدولة بمنظور الحكم إذا اختلفا ، إذ لا معقّب لحكم الله ، ولا أحد يقدّم بين يدي الله ورسوله .. ومصلحة الدولة قبل مصلحة الجماعة أو الحزب إذا اصطدما ، لأن بلادنا وإن جارت علينا عزيزة .. ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد إذا لم يتفقا ، لأن قومنا وإن ضنوا علينا كرام  .. و الفرد حر في إبداء رأيه والدفاع عنه ، لكنه ملزم برأي الجماعة إذا اتفقت عليه ، فقد قال الإمام علي رضي الله عنه ’’ كدر الجماعة خير من صفاء الفرد‘‘ .. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
.. أيها الأحبة في الله .. خاطبتكم ، ولستم بخيركم .. وبخطابكم .. خاطبت نفسي قبلكم .. وحسبي ، أني صدقت الله وصدقتكم .. والخير أردت .. فإن أصبت ، فبفضل الله وتوفيقه ، وإن أخطأت ، فبذنوبي وجهلي  .. نسأل الله المغفرة و العلم والتقوى و من العمل مايرضى ...

في الأخير .. لم يبق لي إلا أن أختم بالذكرى .. والذكرى تنفع المؤمنين ، وتنبه الغافلين .
فأقول بقلب المؤمن ، ولا أزكي نفسي على الله .. ولسان العاقل ، ولا أدعي الحكمة وحسن البيان .. وأدعو بدعوة الصالحين ، وإن كنت دونهم ، لعل الله يتغمدني برحمته ، ويحشرني وأياكم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ..
.. فيا رجال الله ، وفرسان الدعوة .. من كان يريد الدنيا وزينتها ، فإن الدنيا حياة فانية ، ومتعة آنية .. ولهوانها ، أعطاها الله لمن يحب ، ولمن لا يحب .. ومن كان يريد الآخرة ، فإن الآخرة حياة باقية ، وسعادة آتية .. ومفتاحها ، دين الله الذي ارتضاه لعباده .. وقد علمتم ، أن الله لا يعطي الدين إلا لمن يحب .. فسارعوا بتطهير القلوب مما علق بها ، وجددوا النية ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ » .
.. وصححوا العهد مع الله ، واصبروا ﴿ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
واستعينوا بالله واتقوه ، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ ..
فإن حزّ في أنفسكم ، وأوغر صدوركم ، الظلم والطغيان ، وتآمر العملاء والأقزام ، وغدر الجبناء والأنذال ، وتنكّر السفهاء واللئام .. فاصبروا واحتسبوا .. فقد أمرنا الله بالصبر وحثنا عليه ، وجعله مفتاح الفرج ، وخصّ أهله بفضل كبير ، وأجر عظيم ، فقال سبحانه ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ ..
وحاربوا الباطل بالحق ، وواجهوا الظلم بالإنصاف والعدل ، وقابلوا الإساءة بالإحسان .. إذ لا سبيل لأهل الخير والإيمان ، إلا السبيل الذي اختاره الله لعباده المتقين ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ ..
وقولوا للناس جميعا : غفر الله لنا ولكم ، وعفا الله عنا وعنكم ، وتقبل الله منا ومنكم ، وعيدكم مبارك سعيد .
.. اللهم يا حي ياقيوم .. يا بديع السموات والأرض .. ياذا الجلال والإكرام.. يا حنان يا منان .. من علينا بالإيمان والتقوى ، والعلم واليقين ، والعمل الصالح ، والخلق الحميد ، والسلوك الحسن .. اللهم اجمع شتاتنا ، ولم شملنا ، ووحد صفوفنا ، وتولّ أمرنا ، وأحسن خلاصنا ، واهدنا سبل السلام يارب العالمين ...

                                                                                                           مدني مزراق