شهادة الجماجم

بسم الله الرحمن الرحيم

شهادة الجماجم

أيها الناس .. انصتوا .. فإن الجماجم تتكلم

الحمد لله رب العالمين ، وبه نستعين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

صدق الله العظيم ، وبلغ رسوله الأمين ، ونحن على ذلك من الشاهدين ..

الشهداء ، ما غابوا وما ماتوا .. ولا يموتون .

الشهداء قتلوا .. لكنهم أحياء .. عند ربهم يرزقون .

الشهداء .. صدقوا الله ، فصدقهم الله .. فلا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون .

الشهداء الأبطال .. قطعت رؤوسهم ، وماتت .. وعن أجسادهم ، فصلت وغابت .. لكن أرواحهم ، إلى بارئها عادت ، وإلى خالقها آبت .. فهي في مقعد صدق ، عند مليك مقتدر .

الشهداء الأبطال .. في متحف حفظت جماجمهم .. لتحكي للأجيال ، مفخرة حروب المستعمرين وانتصاراتهم .. فأبى الله إلا أن يجعلها ، حجة دامغة ، على جرائمهم ومجازرهم .. وشاهدا قويا ، على حقارتهم ونذالتهم .

الشهداء الأبطال .. إلى أرض الوطن ، عادت جماجمهم .. عادت ، ومعها رسالة في كتاب .. وقبل أن تقبر في التراب ، ألقت على مسامعنا الخطاب .. فيه التذكير والعتاب ، وأسئلة تنتظر الجواب ..

سمعه المخلصون وحفظوه ، وغاب عنه الغافلون وضيعوه ، واستثقله المرجفون وأنكروه .. وكفر به أذناب فرنسا الإستعمارية وعملاؤها ، فردوا أيديهم في أفواههم ، وجعلوا أصابعهم في آذانهم ، فهم لا يسمعون ولا ينطقون .. وران على قلوبهم ، فهم لا يفقهون ولا يؤمنون .

قالت الجماجم مذكرة :

لا إله إلا الله ، الذي لا يحمد على مكروه أحد سواه ، ولا يعبد بحق أحد غيره ، سبحانه وتعالى عما يشركون .. خلق الإنسان من طين ، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين .. ﴿ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ ﴾ .. فسبحان الله الخلاق الحكيم ، الذي يحيي العظام وهي رميم .. هو الحي الذي لا يموت ، والجن والإنس يموتون .

أيتها الأجيال .. يا أبناء الإستقلال .. ما نحن ، إلا ذكرى في ذاكرة .. ذكرى ، تنفع الصادقين ، وتنبه الغافلين ، وتحذر المارقين ، وتفضح الكاذبين والخائنين .. ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

نعم .. نحن ذكرى ، في ذاكرة شعب ، هو شعب الجزائر .. وذكرى ، في ذاكرة أمة ، هي أمة الإسلام .. وذكرى ، في ذاكرة تاريخ ، هو تاريخ الإنسان .

نحن ذكرى أجدادكم الأمازيغ الأحرار ، الذين حاربوا الرومان والبزنطيين والوندال ، ووقفوا في وجه الطغاة والغزاة الأشرار .. وكلما استعبدت قبائلهم حرروها ، وكلما سلبت أراضيهم استرجعوها .. كانوا يرفضون الظلم والطغيان ، ويأبون الذل والهوان ، ويعشقون الحرية والأمان .. هكذا كانوا ، وكذلك كانت مبادئهم ، إن حربا فحرب ، وإن سلما فسلم ..

وهم على هذه الحال .. إلى أن نزل بأرضهم دعاة الإسلام .. فاستقبلوهم بالشك والريبة في أول الأمر ، ظنا منهم ، أن الوافدين الجدد ، غزاة طامعون أشرار ، كمن سبقوهم في الهجوم على الأهالي والديار .. فجادلوهم تارة بحجة اللسان ، وقاوموهم تارة أخرى بحد السنان .

ولكن .. ما إن تبينوا الحق من الباطل ، وعرفوا الضيف من القاتل .. حتى دخلوا في دين الله أفواجا ، وأقبلوا عليه دفعات وأمواجا .. لأنهم تأكدوا ، أن هذا الضيف يسألهم الدخول في الإسلام ، ويدعوهم إلى الإيمان بالله والقرآن .. وذاك الغازي يقتلهم من أجل السلطان ، ويسلبهم الأراضي والأموال والنساء والولدان .

نعم .. نحن ذكرى تذكركم .. تذكركم ، بالصحابي الجليل العالم ، أبو مهاجر دينار رضي الله عنه وأرضاه ، الذي جاء إلى بلادنا داعيا ومبشرا ، وهاديا إلى صراط الله المستقيم .. فأنار عقول أجدادنا بنور الإيمان ، وطيب قلوبهم بذكر الرحمان ، وأطلق لسانهم بلغة القرآن ..

... جَاءَهُمْ بِالهُدَى كِتَابٌ كَرِيمٌ ... عَرَبِيُّ البَيَانِ فِيهِ الدَّوَاءُ ...

ثم أعقبه بعد ذلك ، الصحابي الشجاع ، عقبة بن نافع رضي الله عنه وأرضاه ، فاتحا ومقاتلا ، في سبيل إعلاء كلمة الحق ، وإفشاء الأمان والسلام ، وسيادة عدالة الإسلام ... قال القائل :

... قدْ أَوْضَحَ اللهُ لِلإسْلامِ مِنْهَاجَا ... وَالنَّاسُ قَدْ دَخَلُوا في الدِّينِ أَفْواجَا

... ماتَ النِّفَاقُ وأَعْطَى الكُفْرُ ذِمَّتَهُ ... وَذّلَّتِ الخَيْلُ إلْجاماً وَإسْراجَا

... وأصْبَحَ النَّصْرُ مَعْقُودًا بِأَلْوِيَةٍ ... تَطْوِي المَرَاحِلَ تَهْجِيرًا وإدْلَاجَا

ومنذ ذلكم الحين ، والجزائريون ، أجدادا وآباء وأبناء وأحفادا ، يؤكدون جيلا بعد جيل ، تمسكهم المنقطع النظير بتعاليم الدين ، وثباتهم الراسخ على الصراط المستقيم ، ولسان حالهم ومقالهم ، يردد عاليا في كل وقت وفي كل حين .. رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ..

ومنذ ذلكم الحين ، اختار الآباء والأجداد نهائيا ، أن يعيشوا بالإسلام وللإسلام .. كما اختاروا نهائيا ، ألا يموتوا إلا وهم مسلمون ، مصداقا لقول الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾

ومنذ ذلكم الحين ، لم تقم في الجزائر دولة غير دولة الإسلام ، ولم يخضع الجزائريون لحكم غير حكم القرآن .. فقد فتحوا أندلس الإسبان مع الخلافة الأموية ، وحكموها قرونا عديدة .. وعلى حكم الإسلام بايعوا الخلافة العباسية ، وبه حكموا مدة مديدة .

ولما ضعف العباسيون وانكمش سلطانهم ، وبدأت شمسهم في المغيب .. أنشأ أجدادكم من صنهاجة وكتامة وغيرهم ، دولا ودويلات ، وحكاما وحكومات ، كلها حكمت بشريعة الإسلام ، ولم تخرج منه أبدا .

فقد أسسوا الدولة الرستمية في غرب البلاد ، سنة ست وسبعين وسبع مئة للميلاد .. ودولة الأغالبة في شرقها ، سنة ثمان مئة للميلاد .. وجاءت بعدهما الدولة الفاطمية ، سنة عشر وتسع مئة للميلاد .. تلتها دولة الزيريين ، سنة إحدى وسبعين وتسع مئة للميلاد .. وبعدها الدولة الحمادية ، سنة أربع عشرة وألف للميلاد .. فدولة المرابطين ، سنة ستين وألف للميلاد .. ثم دولة الموحدين ، سنة إحدى وعشرين ومئة وألف للميلاد .. وأخيرا دولة الزيانيين ، سنة خمس وثلاثين ومئتين وألف للميلاد ...

ومازالوا كذلك ، ثابتين على دينهم ، لا يبدلون ولا يغيرون ، عاما بعد عام ، وقرنا بعد قرن ، ودولة بعد دولة ، حتى جاء اليوم الذي طمع فيه الصليبيون في أرض الجزائر ، أرض الإسلام والمسلمين ، وهجم الإسبان على مزغنة ، سنة تسع وخمس مئة وألف للميلاد .. فما كان من حاكم الجزائر حينها ، إلا أن استنجد بإخوانه العثمانيين ، طالبا عونهم وحمايتهم ..

فلحقه الأخوان القائدان ، عروج وخيرالدين بربروس ، فجيشوا جيشا من أبناء الجزائر وشجعانها ، وهجموا على الإسبان فهزموهم وطردوهم شر طردة ، وأعادوا للجزائر حريتها وسيادتها ، وعزتها وكرامتها .. وكان لهذه النجدة والنصرة ما بعدها ..

فقد جيشوا بعد ذلك جيشا كبيرا ، وبنوا أسطولا بحريا عظيما ، فرض سيطرته في البحر المتوسط ، ثلاثة قرون متوالية وتزيد ، لا تتحرك فيه سفينة مهما كان صاحبها ، أو الدولة التي تملكها ، إلا وكان ذلك تحت مراقبة الأسطول ، وبإرادة قادته ، بعد إرادة الله العلي القدير ...

نعم .. هكذا كان آباؤكم و أجدادكم ، وهكذا عاشوا حياتهم .. كانوا يعبدون الرحمن ، ويهتدون بتعاليم القرآن ، ويقتفون آثار رسول السلام ، ويحمون أوطانهم بالتعاون على البر والتقوى ، وبالتعاون على البر والتقوى يذودون عن بيضة الإسلام .. وكانوا حينها سادة العالم ، وكان العالم حينها ، لا ينظر إليهم ، إلا بعين الرهبة والتقدير والإحترام ..

وإذا كان الله العلي القدير ، قد أخضع الإنسان لسننه في الحياة ، يولد صبيا رضيعا ، ثم طفلا ناشئا ، ثم شابا يافعا ، ثم كهلا بالغا ، ثم شيخا كبيرا ، ثم الموت المحتوم ... ورحم الله القائل :

... نُطْفَةٌ كَانَ فِي الظَّلَامِ جَنِينَا ... ثُمَّ طِفلا مُطَهَّرَ الأَرْدَانِ

... فَغُلَامًا غَضَّ الشّبَابِ فَتِيَّا ... مِنْ رَبِيعِ الحَيَاةِ فِي رَيْعَانِ

... يَصْعَدُ العُمْرَ سُلَّمًا فِي سِرَاجٍ ... مِنْ نَشَاطٍ وَقُوَّةٍ ومِرَانِ

... ثُمَّ يَخْبُو سِرَاجُهُ حِينَ يُمْسِي ... فِي مَشِيبٍ مُهَدَّمَ الأَرْكَانِ

كذلكم تاريخ الدولة العثمانية .. فقد ولدت تنظيما قبليا صغيرا من رحم الدولة السلجوقية ، ثم إمارة مستقلة بعد تفكك ملك السلاجقة ، ثم سلطانا قويا بتنظيم عسكري محكم ، ثم خلافة إسلامية بسطت نفوذها في جهات العالم الأربع ، ثم الهرم والإنكماش ، والضعف والأفول .. ويرحم الله القائل :

... كُلُّ نَجْمٍ مُهَدَّدٌ بِأُفُولٍ ... وَلِنُورِ الِإلَهِ دَامَ الضِّيَاءُ .

وهذه سنة الله في خلقه .. بعد الحياة يأتي الموت ، وبعد القوة يأتي الضعف ، وبعد الصعود يأتي الهبوط ..

فبعدما بلغت الخلافة العثمانية ، من القوة والسلطان مبلغا كبيرا ، ومن الملك والتوسع شأنا عظيما ، جاءتها ريح عاصف ، زعزعت أركانها وقطعت أوصالها .. ريح الفتن والخيانة من الداخل ، وريح الثأر والإنتقام من الخارج .. وكانت معركة نفرين ، سنة سبع وعشرين وثمان مئة والف للميلاد ، هي الحد الفاصل ، بين ما فات وما هو آت ..

ففي هذه المعركة ، انهزم الجيش العثماني المسلم وانكسرت شوكته ، وانتصر الجيش الغربي الصليبي وعظم شأنه .. وفيها تحطم الأسطول الجزائري العثماني وانتهت أسطورته ، وفيها دق إسفين الخيانة المسموم في نعش الخلافة الإسلامية ، لتقبر بعد ذلك نهائيا ، سنة أربع وعشرين وتسع مئة وألف للميلاد ..

وتكالب الصليبيون على أرض الإسلام يقطعونها قطعا ، كما تتكالب الضباع إلى فريستها تمزقها مزقا .. وكانت الجزائر ، من نصيب الإحتلال الفرنسي الظالم ، والإستعمار الصليبي الغاشم ...

وكعادتهم .. وذلك ديدنهم .. ثار أجدادكم في وجه الظلم والطغيان ، جهادا في سبيل الله ، ودفاعا عن الدين والأرض ، وحفظا للنفس والعرض .. ثاروا بما تهيأ لهم من العدد والعدة ، ولو كان العدد قليل والعدة أقل ..

واندلعت الثورات في كل ربوع الوطن ، شمالا وجنوبا ، شرقا وغربا .. وكانت الحرب ، فخاضها المجاهدون .. وكانت الشهادة ، فظفر بها الشهداء .. وكنا من هؤلاء المجاهدين الثوار ، ونسأل الله أن يتقبلنا في الشهداء الأبرار ...

ثم تنهدت الجماجم واستغفرت .. وقالت ، معاتبة متأسفة :

أيتها الأجيال .. يا أبناء الإستقلال .. مما يؤسفنا ويؤلمنا ، ويدمي قلوبنا ويدمع عيوننا ، مقالة السوء ، والفرية التي افتراها أعداء الله والإسلام ، من أتباع بني صهيون في بلاد المسيح الدجال ، وسوق لها الممسوخون والمنسلخون فينا ، قوم من بني جلدتنا ، يسمون باسمائنا ويتكلمون بلساننا ، وهم ليسوا على شيء .. يأكلون طعامنا ويشربون شرابنا ، ويحلبون حليبهم في إناء أعدائنا ..

قال هؤلاء وأولائك ، في العهد الأول من مجيء الإسلام ، بأن العرب دخلوا البلاد غزاة ، للقتل والسلب والنهب والسلطان ، وتدمير الحضارة التي تركها الرومان ، وتغيير الدين الذي نشره القسيسون والرهبان .. وقالوا في العهد المتأخر من حكم الإسلام ، بأن العثمانيين ما جاؤوا للنصرة وحماية الأوطان ، ولكن للإحتلال والغنيمة واستعباد الإنسان ..

وكذبوا ، وما كان فينا من يصدقهم .. وضلوا وأضلوا ، ووجدوا فيكم سماعون لهم .. وصدق من قال :

... وَسَعَوْا بِفِرْيَتِهِمْ فَلَمَّا صَادَفُوا ... سَمْعًا يَمِيلُ إِلَى المَلَامِ تَوَسَّعُوا .

لقد شهدوا شهادة الزور والبهتان ، وحرفوا الكلم عن مواضعه في كتب التاريخ والأديان .. رغم أن تاريخ الفاتحين المسلمين ، متلألئ كالبدر في الليلة الظلماء ، ومشرق كالشمس في كبد السماء .. لا يجهله إلا صاحب عقل فاسد جاحد ، ولا ينكره إلا صاحب قلب حاسد حاقد ..

لقد فعلوا في كتب التاريخ فعلتهم ، ومازالوا يفعلون .. وحاولوا دوما تزوير الحقائق ، وما زالوا يحاولون .. لكن شهود الحق ، بالصدق يشهدون وبالله يقسمون ، أن الجزائريين ، اعتنقوا الإسلام عن قناعة ، ونصروه عن حب وإيمان وشجاعة ، وتمسكوا به سمعا لله وطاعة ، ووفاء لصاحب الحوض والشفاعة .. ولله ذر القائل :

... هُنَالِكَ يَعْلُو الحَقُّ والحَقُّ وَاضِحٌ ... وَيَسْفُلُ كَعْبُ الزّورِ والزُّورُ عَاثِرُ .

وفي نهاية الخطاب .. تساءلت الجماجم بارتياب :

ياترى ، كيف سارت الأحداث بعد استشهادنا ، وإلى أين اتجهت ؟ .. وكم بقيت فرنسا في بلادنا ، ومالذي فعلت ؟ .. وكيف واجهها شعبنا ، ومتى اندحرت ؟ .. وهل أعاد أحفادنا بناء الدولة الجزائرية على مبادئ الإسلام ، كما كانت على الدوام ؟ .. أخبرونا عن أحوالكم ، كيف أنتم ، ماذا فعلتم ، أين صرتم ؟ ... نريد أن نطمئن عليكم ، على دينكم وإيمانكم ، على عرضكم وشرفكم ، على وطنكم وحريتكم ... أخبرونا وارحمونا ، يرحمكم الله ويصلح بالكم ...

وبالحمد والدعاء ، والصلاة على صاحب اللواء .. ختمت الكتاب .

وككل الجزائريين المسلمين ، الوطنيين الغيوريين ، كنت استمع بإمعان واهتمام ، لخطاب الجماجم المسترجعة من متحف الإنسان ، ببلاد الظلم والطغيان ، فرنسا الإستعمارية ، التي أجرمت في حق الشعوب والأوطان ...

وانتظرت ، لعل عاقلا من أولي الألباب ، يرفع صوته بقول الصواب .. فلما طال الإنتظار ، قررت كتابة الجواب .

وإلى أن يأتي الجواب ، في المقال القادم .. لم يبق لي أنا أخوكم مدني مزراق ، إلا أن أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، خاصة في هذه الأيام المعلومات ، التي أقسم بلياليها العشر رب الأرض والسموات ، وقال عنها رسولنا الذي وجبت علينا في حقه الصلاة : أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا الأَيَّامُ العَشْر .. وزاد على ذلك : مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَم عِنْدَ اللهِ ولَا أَحَبَّ إِلَيهِ ، مِن العَمَلِ فِيهِنَّ مِن هَذِهِ العَشْر ، فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ والتَّحْمِيد ..

إنها حقا ، أيام مباركة عظيمة ، وأوقات مفضلة ثمينة .. فيها يوم الحج الأكبر ، وفيها يوم النحر الأعظم ، يوم عرفة المعلوم المشهود ، وعيد الأضحى المبارك المسعود .

نعم .. أيها الإخوة المؤمنون .. فلنعد إلى الله عودة صادقة ، ونتوب إليه توبة نصوحا ، ونقبل على كتاب الله بالقراءة والتدبر ، والفهم والتأمل والتفكر .. ونشتغل بسيرة البشير النذير ، دراسة وبحثا وتفسير ..

فإن الحق كل الحق ، فيما جاء به القرآن العظيم ، أمرا ونهيا وإخبارا .. وإن الخير كل الخير ، في الذي بينته السنة المطهرة ، قولا وفعلا وإقرارا .. فهما الثقلان ، والكنزان ، والنوران .. من تمسك بهما ، لن يضل أبدا .

واعلموا أيها المؤمنون .. أن من رضي بقضاء الله فيه ، رضي الله عنه .. ومن أقبل على الله بقلبه ، أقبل الله عليه برحمته .. ومن عاد إلى الله تائبا مستغفرا ، وجد الله عفوا غفورا غفارا .. ومن دعا الله صادقا مخلصا متضرعا ، وجد الله قريبا مجيبا ، حفيظا ستارا .. ومن سأل الله الدواء ، وجد عنده العافية والشفاء .. فاتقوا الله وأطيعوه ، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها .. ﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ..

وبعد الأيام المعلومات ، تأتي الأيام المعدودات ، أيام التشريق المباركات ، أيام التسامح والتغافر ، أيام العيد المجيدة ، والأوقات الطيبة السعيدة ... فعيدكم مبارك سعيد ، وكل عام وأنتم بخير ..

أسأل الله لي ولكم ، العفو والعافية والمعافاة الدائمة ، في النفس والأهل والدين والدنيا والآخرة .. اللهم إنك عفو كريم ، تحب العفو فاعف عنا .. واغفر لنا وارحمنا وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم ... آآآميين .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

الثلاثاء 28 جويلية 2020 م

الموافق لـ 7 ذو الحجة 1441 هـ

مدني مزراق

الديباجة وأسباب التعديل

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الأعزاء .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

من الحكمة والروية ، وقبل صدور موقفنا الرسمي ، من مسودة الدستور المعروضة للنقاش .. رأينا أن نطلعكم ، على أهم المحاور التي تضمنتها ، مساهمتنا للتعديل الدستوري ، سنة 2014 م .. وسنقدمها في ثلاث مقالات ، تنشر في هذه الصفحة تباعا :

الأول ، في الدباجة وأسباب التعديل .. والثاني ، في الإصلاح الدستوري ودوافعه .. والثالث ، في الإصلاح السياسي ومتطلباته .. وسنبدأ بالمقال الأول .

بسم الله الرحمن الرحيم

الدول ، كيانات نشأت من تطور الجماعات البشرية ، التي انتقلت في تجاربها عبر الزمن ، من الأساليب البدائية في تنظيم الحياة ، إلى ما وصل إليه المجتمع الانساني اليوم ... وإذا درسنا جيدا أنواع الدول التي عرفها التاريخ ، فإننا نجدها في أربعة أقسام :

  • دولة الباطل
  • دولة الحق
  • دولة القانون
  • دولة الحق والقانون

ولأن التاريخ علمنا ، أن نشأة الدول ، غالبا ما يكون وراءها رجل همته كبيرة ، وطموحه أكبر ، في الإصلاح والبناء ، أو التسلط والهيمنة ، أو الملك والتوسع .. فإن هؤلاء الرجال المؤسسين ، يتحولون دائما إلى عظماء ، في نظر أتباعهم أو جماعاتهم أو شعوبهم ، بل يصبحون هم المراجع الأساسية ، في حياة الأتباع ، أمرا ونهيا وجزاء وعقابا .

وإذا كان المؤسسون الأوائل ، لم يكونوا في حاجة إلى وضع قواعد وقوانين مكتوبة ، تحكم وتنظم حياة الأتباع وعلاقاتهم ، وذلك لقلة عدد الأتباع والمساحات التي يسيطرون عليها ، الشيء الذي يجعل حضور المؤسس والحاكم الأول ، كافيا ، كدستور يمشي على رجليه بينهم .. إذا كان الأمر كذلك ، في بداية ونشأة الجماعات الأولى .. فقد تغير لاحقا ، بسبب كثرة عدد الجماعات ، واتساع الرقع الأرضية التي يحتلونها ، مما فرض على هذا الحاكم الزعيم " المعجزة " ، أن يجد الطريقة المثلى ، ليكون حاضرا بين أفراد شعبه ، أينما كانوا وحيثما حلو وارتحلوا داخل مملكته ، فكان هذا العقد ، أو الوثيقة الأساس ، التي تحكم وتنظم شؤون الأفراد والجماعات ، في كل مناحي حياتهم .. وهي الوثيقة التي نعرفها اليوم بالدستور .. فالدول التي نشأت في مثل تلك الظروف ، بعيدة عن نور النبوة ، وهدى الكتب السماوية ، حكمت بمنطق الطغيان والإستبداد والهمجية ، إلا فيما نذر .. وهذه حالة دولة الباطل ..

... وعلى عكس ، ما كان عليه الملوك والزعماء والسلاطين ، كانوا يحكمون الناس بالقواعد والقوانين التي يضعونها ولا يحتكمون إليها .. جاءت الكتب السماوية بالدساتير ، التي لا تفاضل في أمرها ونهيها ، بين السيد و المسود ، ولابين الحاكم و المحكوم .. لأن الذي شرعها ، هو مبدع الكون وخالق الإنسان ، وكلف بتبليغها و تطبيقها ، الرسل و الأنبياء ، عبادا اصطفاهم و عصمهم ، وأوجب عليهم الحكم بكتابه ، و الإحتكام إليه .. فكانت دولة القيم والمثل العليا ، دولة الحق .

دولة الحق : وهي تقوم أساسا ، على الثقة المطلقة بين الحاكم و المحكوم ، وترتكز على مجموعة القيم و الثوابت و الأخلاق ، التي تعتبر الرابط المقدس ، الذي يربط أفراد المجتمع بعضهم إلى بعض .. كما أن وجودها واستمرارها ، يتوقف على مدى تمسك السلطة الحاكمة ، بتلك القيم و المثل العليا ، مع الحفاظ على الثقة الموجودة .

أما دولة القانون : فلا تقوم إلا على أنقاض دولة الحق .. لأنها بكل بساطة ، تبنى على فقدان و غياب الثقة .. وذلك حين تنحرف السلطة في دولة الحق ، وتبتعد عن القيم والثوابت ، التي حكمت على أساسها المجتمع ، الشيء الذي سيضعف الوازع الأخلاقي لدى الأفراد ، ويدفعهم إلى عصيان القوانين والتمرد على النظام ، وهنا تدخل الدولة ، مرحلة الفوضى وانعدام الأمن ، وتستفحل الخلافات والصراعات ، بين مكونات المجتمع ، الموالية للسلطة والرافضة لها ، ويختلط بعد ذلك الحابل بالنابل ، فلا يعرف صاحب الحق من صاحب الباطل .. ولن تخرج الدولة من هذه الدوامة ، إلا بعد أن ينال التعب من الأطراف المتخاصمة ، فيقبلون بعدها ، بالجلوس إلى بعضهم البعض ، بغية التحاور و التفاهم ، للوصول إلى حد أدنى من القواعد الضرورية ، للتعايش والتعامل فيما بينهم ...

دولة الحق والقانون : هي الدولة التي تجمع ، بين دولة الحق بدينها وأعرافها وقيمها و أخلاقها ، ودولة القانون بمؤسساتها وهياكلها ونظام الحكم فيها .. هي الدولة التي تحرص ، على تعزيز التمسك بالدين ، و تعميق الانتماء للوطن ، وترسيخ التاريخ في ذاكرة الأجيال ، وتقوية الروابط الأسرية ، ونشر الفضيلة والأخلاق الحميدة بين أفراد المجتمع .. كما تسهر بنفس القدر أيضا ، على حماية الأفراد و الممتلكات ، وفرض النظام العام ، و إقامة العدل بين الناس .. فهي تعطي الحقوق لأصحابها ، وتطالبهم بالواجبات .. وتجلد المنحرفين العصاة بسياط القانون ، دون أن تبخسهم أشياءهم .. هي الدولة التي يكون فيها الحاكم ، أضعف الناس في رعيته ، عندما يخرق الدستور ويدوس القوانين ، ويصير أقواهم ، إذا تمسك بهما وعمل بمقتضاهما ...

... إن الأمة التي لا دين لها ، هي أمة ضالة تائهة حائرة ، تحيا بدون روح ولا أخلاق ، وتسير بلا نور ولا هداية ، وتموت موت الخارج من الحيرة الداخل إلى المجهول ..

والأمة المقطوعة عن تاريخها ، المفصولة عن هويتها ، التي لا تتكلم لغتها ، هي أمة لقيطة ، تعيش بلا أصل ولا عنوان ، وتحيا تابعة خادمة لغيرها ، يقولون فتسمع ، ويأمرون فتطيع ، كالمريد مع شيخه ، والعبد مع سيده ..

والأمة الجزائرية ، أمة محظوظة .. دينها ، هو أفضل الأديان وأرحمها ، وأصح الشرائع وأشملها ، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ .. ولغتها ، هي اللسان العربي المبين ، ولغة الوحي المنزل ، والحرف القرآني العظيم ، وخطاب أهل الجنة المنعمين .. وتاريخها ، عريق ، ضارب جذوره في القدم ، عامر بالبطولات والمآثر ، متواصل ، تواصل الحلقات في السلسلة المترابطة المتينة ، التي لا تنفصل ولا تنكسر .

والجزائر ، بلد واحد موحد ، أمازغي الأصل والمكان ، عربي اللغة واللسان ، مسلم الدين والجنان .

والجزائر ، دولة مستقلة سيدة ، ديمقراطية واجتماعية ، ضمن إطار المبادئ الإسلامية..

ونقصد بالدولة : الأرض ، والشعب ، والسلطة .

فالأرض : بحدودها المحمية ، وكنوزها الباطنة المخفية ، وتربتها الظاهرة السخية .

والشعب : بدينه الحنيف وقيمه العريقة ، وتاريخه الطويل وثقافته الأصيلة ، وحرّيته التي سالت من أجلها الدماء ، وسيادته التي استُرجعت بالجهاد والفداء .

والسلطة : بمؤسساتها و أجهزتها ورجالها ، الذين فوضهم الشعب السيد ، عن طريق الإقتراع الحر والنزيه ، لتسيير شؤون الدولة ..

فالدولة هذه .. هي دولتنا ، التي نحن منها وبها ولها .

أرضها : نشارك في خدمتها ، ونتعاون على حمايتها ، ونعيش من خيراتها .

شعبها : نعتز بأصوله ، ونفتخر بأمجاده ، ونتحمّل أخطاءه ، إذ أنه أبونا الذي نحن منه وله ، وصدق رسول الله ’’ ليس منا من لم ينتسب لأبيه .‘‘

سلطتها : مهما كان حزبها وانتماءها .. فنحن معها وإلى جانبها إذا أحسنت ، وننبهها وننصحها إذا أخطأت ، ونقف في وجهها ، ونحاكمها ونخاصمها ، إذا أصرّت على الخطأ والظلم وعاندت .

.. في هذه الدولة .. نتمتع جميعا بحقوقنا المدنية دون نقصان ، ونؤدي واجباتنا كاملة دون عصيان .. بروح المؤمن الصادق ، وقلب الوطني الغيور ، وعقل المواطن الواعي المسؤول .. الذي يقدم دوما الأصل قبل الفرع ، والمصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة ..

... و لأن دولتنا اليوم ، تعيش مخاضا عسيرا ، بسبب الانتقال القسري المستعجل ، من دولة ، يحكمها نظام سياسي أحادي باسم الشرعية الثورية ، إلى دولة ، يحكمها نظام سياسي تعددي باسم الشرعية الشعبية ، دون توفير الشروط اللازمة لذلك .. كان طبيعيا أن ندخل في دوامة الفوضى واللاقانون ، وفقدان الثقة وانعدام الأمن .. ولأن الاستمرار على هذا الوضع ، والهروب إلى الأمام ، والقفز على الحقائق ، والبصر أعمى ، يوشك أن يُردي بنا وبدولتنا في هاوية لا قرار لها .. فإن الواجب يفرض علينا ، نحن أبناء الجزائر الأحرار ، وقد تعرضت أمتنا إلى هذه الفتنة الدامية والمحنة الفانية ، أن نعود إلى الأسس التي قامت عليها دولتنا ، فندعم أركانها ، وإلى المعالم التي وجهت مسيرتها ، فنصحح مسارها ونأمن طريقها ، لنضمن تقدمها وازدهارها ...

ولن نحقق هذا ، إلا إذا جلسنا في مودة وإخاء ، وتكلمنا بصراحة وصدق ، في الدولة التي عرفنا لها اسما ، ولم نجسد لها رسما ، وها نحن بين الشرق والغرب ، في صحراء الحيرة الإيديوليجية والتيه السياسي ، على وجوهنا هائمين .. فهلا بحثنا في طبيعتها ووضحنا حقيقتها ، ثم نتفق على الثابت منها ، ونضع له المواد القانونية التي تؤكده وتحميه .. ونبين المتغير فيها ، ونجعل له المعالم التي توجهه وتهديه .. وننشئ الهيئات المرجعية العليا ، التي نعود إليها دوما عندما نختلف في فهم النصوص وتطبيقها قبل الذهاب إلى القضاء والاصطدام فيما بيننا .. وننتصر للمجاهدين الأحرار و الشهاداء الأبرار ، بإيجاد الصيغة الفكرية والسياسية ، التي تسهل علينا ، تفعيل وتجسيد مشروع المجتمع النوفمبري ، الذي سطروه بدمائهم الزكية ، وقدم في سبيله الشعب الفدية السخية ..

إن عملا كهذا ، إن نحن أنجزناه وأتممناه ، بعد عرضه على أهل الخبرة والكفاءة ، داخل مؤسسات الدولة المختلفة ، بمشاركة الأحزاب والمجتمع المدني الحقيقي ، خاصة الأطراف الفاعلة في الأزمة ، لإثراءه ومناقشته ، سيكون بمثابة ميثاق شرف وطني ، يجتمع على مضمونه كل الجزائريين .. وهو عمل ، سيضمن بعون الله استمرار الدولة ، بوحدة ترابية لا تتجزأ ، وشعب متماسك لا يتفرق ، وسلطة شرعية منتخبة ، تحمي الوطن بالحق ، وتحكم الشعب بالعدل ، وتنشر الأمن والأمان والسلام ، وتشيع الفضيلة والأخلاق الحميدة بين الناس ..

لذلك فإن الوثبة المنتظرة ، والنقلة المأمولة ، لا يمكن أن تتم إلا بثلاثة خطوات أساسية ضرورية ، ضرورة الهواء والماء والقوت ، لمن يحرص على الحياة :

  • إستعادة الثقة وتجديد العهد والميثاق
  • الصياغة المفصلة لمشروع المجتمع النفمبري
  • وضع الدستور التوافقي الجامع

ولنفهم هذا جيدا ، علينا أن نعلم أن الدستور هو جوهر الميثاق الوطني ، ومشروع المجتمع هو التفاصيل الكاملة للميثاق الوطني .. وبما أن الميثاق الوطني يحتاج إلى طرح واسع ، ونقاش مستفيض . فإن مشروع المجتمع يحتاج بداهة إلى وقت أطول ونقاش أوسع ... لذلك فسنكتفي في هذه الوثيقة ، بالتنبيه إلى أهم الخطوات التي نراها ضرورية ، والمواد التي نعتبرها أساسية ، في إصلاح وتحيين الدستور ، من الناحية الفلسفية السياسية التنظيمية ...

الله نور السماوات والأرض

بسم الله الرحمن الرحيم

عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا ، ثُمَّ قَالَ :
" اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ".

ما أحلى هذا الحديث ، ما أجمله ، ما أنفعه ، ما أحكمه ، ما أعظمه ...

إن الحروف ، تتلألأ فيه كالنجوم في السماء .. والكلام ، صحيح المبنى ، فصيح المعنى ، واضح البيان .. والتعبير ، سهل ممتنع ، بليغ مؤثر ، جميل مبدع ...

حقا وصدقا ، قد أوتيت جوامع الكلم ، ياسيدي يارسول الله .. أشهد أنك قد بلغت الرسالة ، وأديت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الغمة ، وجاهدت في الله حق جهاده حتى أتاك اليقين ، وتركتنا على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك .

نعم ، إن الأرض تستمد ضوءها ، من ضوء الشمس المتلألئة في كبد السماء .. والنبوة تستمد نورها ، من نور الله العزيز الحكيم ... وصدق الله العظيم القائل:

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

أيها الإخوة الأفاضل .. تعالوا معنا نؤمن ساعة ، ونستمع في خشوع وتدبر ، إلى هذه التلاوة المباركة المؤثرة ، ونسأل الله السميع العليم ، أن ينفعنا بالقرآن الكريم ، والذكر الحكيم .. ولا ننسى الدعاء للقارئ الشيخ .. الطبيب "أحمد نعينع" .. بالعمر الطويل ، والعمل الصالح ، والخاتمة الطيبة .


كتب بـ 29 ديسمبر 2018 م

الموافق لـ 20 ربيع الآخرة 1440 هـ

مدني مزراق