بيان إنتخابات ديسمبر 2019

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

كَثُرَ الطُّغْيَانُ وَالفُجُور ، وَاخْتَلَطَت عَلَى النَّاسِ الأُمُور ، فاَسْتَوْجَبَ الرُّجُوعُ إلَى اللوْحَةِ وَالطُّبْشُور ، لِنَتَعَلَّمَ أَبْجَدِيَاتِ السِيَّاسَةِ وَالنِّضَالِ فِي هَذِهِ السُّطُور ..

نَقُولُ : بَعْدَ الحَمْدِ وَالبَسْمَلَة ، وَالتَّسْبِيحِ وَالحَوْقَلَة ..
الطُّغْيَانُ .. أَنْوَاعٌ وَأَشْكَال ..
فاَلحُكْمُ يَطْغَى .. وَطُغَاتُهُ ، رِجُالُ الحُكْمِ وَالسُّلْطَانِ الظَّالِمِين .
وَالمَالُ يَطْغَى .. وَطُغَاتُهُ ، رِجَالُ المَالِ وَالأَعْمَالِ الفَاسِدِين .
وَالعِلْمُ يَطْغَى .. وَطُغَاتُهُ ، أَدْعِيَاءُ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ المُتَعَالِمِين .
وَالشَّعْبُ يَطْغَى .. وَطُغَاتُهُ ، جُمُوعُ الجَمَاهِير الغَاضِبِين .
وَالِإنْسَانُ يَطْغَى .. وَطُغَاتُهُ ، طَبْعٌ فَاسِد ، وَقٌلْبٌ حَاقِد ، وَعَقْلٌ مَارِد .
خَمْسَةُ أَصْنَافٍ كَامِلَة .. كُلُّ وَاحِدِ مِنْهَا ، يُمَثِّلُ دِكْتَاتُورًا مُسْتَبِدًا إِقْصَائِيا ..
الأُوَّلُ فِرْعَوْن .. وَالثَّانِي قَارُون .. وَالثَّالِثُ هَامَان ..
وَالرَّابِعُ قَالَ فِيهِ سُبْحَانَه .. ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾..
وَالخَامِسُ قٌالَ فِيهِ عَزَّ وَجَل .. ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴾ ..
وَلِسَانُ حَالِهِم جَمِيعًا يَقُولُ ، مَا قَالَهُ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ .. ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ .

ونحن في الجزائر كغيرنا من الشعوب ، ذقنا مرارة الطغيان والاستبداد ، من الحكام الظالمين .. ولبسنا لباس الفقر والجوع ، على يد رجال المال والأعمال الفاسدين .. كما عرفنا الكثير من التعالي والاحتقار، من أدعياء العلم والمعرفة المتعالمين .. وها نحن نعيش طغيان الجماهير ، في حراك الغاضبين .. أما طغيان الفرد ، فقد تجسد في الشح المطاع ، والهوى المتبع ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، ولاحول ولا قوة إلا بالله .

وإذا كانت الأديان والشرائع والأخلاق ، تفرض على كل مؤمن ذي مروءة ، أن يرفض الظلم مهما كان ، ويقف في وجه الطغيان في كل زمان ومكان .. فإن الهرج والمرج ، الذي يجري في بلادنا ، وتعيش أسوأ منه وأقسى ، بعض البلدان العربية والإسلامية ، يحتم علينا ويلزمنا ، أن نقول الصدق ، ونفعل الصواب ، ونجهر بكلمة الحق ، ولو كانت على أنفسنا أو الأقربين .. وعليه :

.. إن الجزائر التي ابتليت باستعمار غاشم ، ومحتل مستبد ظالم ، اغتصب أرضها ، واستعبد شعبها ، وداس كرامتها ، وحاول عبثا تغيير دينها ، ومسخ لغتها وهويتها .. إن هذه الجزائر لم تتحرر ، إلا بعدما قرر شجعانها ، أن ينفضوا غبار الذل والهوان عنهم ، وأخذ زمام المبادرة من غيرهم ، فجندوا أبناء شعبهم ، للدفاع عن دينهم وأرضهم وشرفهم ، والوقوف صفا واحدا في وجه عدوهم .. فكانت الثورة المباركة ، التي نطق فيها السلاح بالرصاص والنار ، وتكلم فيها القلم في بيان مشروع الأحرار ، بيان أول نوفمبر الخالد ، الذي نص صراحة ودون لبس أو غموض ، على بناء دولة جزائرية مستقلة ذات سيادة ، ديمقراطية واجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية .. وأخذوا العهد الغليظ على تحقيق ذلك ، أو الموت دون ذلك ..

وقد تحقق للجزائر بفضل الله استقلالها ، وتأكدت سيادتها ، ورفرفت في السماء رايتها ، وعادت للشعب حريته وكرامته .. وبقي استكمال بناء الدولة على الأسس النوفمبرية ، ينتظر هبة أبناء الجزائر المخلصين ، في أي موقع كانوا ، ليوحدوا صفوفهم ، ويقرروا قرارهم ، ويذهبوا دون تردد ، نحو الهدف المنشود ، والغاية المعلومة ، وتحقيق حلم الشهداء .

وَلِأَنَّ مُحَاوَلَاتِ تَصْحِيحِ مَسَارِ الدَّوْلَةِ ، وَإِعَادَةِ بِنَاءِ النِّظاَمِ في العشريات السابقة ، قد أوقعت الدولة ، أرضا وشعبا وسلطة ، في أزمات مدمرة قاتلة ، كادت أن تأتي على الأخضر واليابس ، وتجعل من الجزائر أثرا بعد عين .. فقد اصبح علينا لِزَامَا ، أن نقرأ الأحداث جيدا ، ونمعن النظر والبحث فيما وقع لنا ، ونستخلص الدروس والعبر، ونراجع المواقف والقرارات والفكَر، ونضع القواعد الصحيحة لأي تغيير ، ينشده الرافضون ، ويريده الغاضبون ، ويقبله العاقلون ، بغية إصلاح الأرض ، وصيانة العرض ، وإقامة العدل .

إن القارئ الجاد المتفحص للتاريخ البشري ، يستطيع أن يتأكد بما لا يدع مجالا للشك ، أن تغيير أنظمة الحكم ، كان يتم بطرق شتى ، أهمها وأشهرها أربعة :
أولا : الثورة بالسلاح لإسقاط الحاكم واستلام الحكم .
ثانيا : الإنقلاب العسكري للإطاحة بالزمرة الحاكمة وتبوء مكانتها.
ثالثا : العصيان المدني الشامل ، وشل الحياة في مختلف القطاعات ، إلى أن ينهار النظام .
رابعا : الإحتكام لصناديق الاقتراع بالانتخابات الحرة والنزيهة ، للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها .

أما الأول .. فعواقبه غير محمودة وهو من الخطر بمكان ، إذ أنه يشرعن التمرد على الحاكم ، وإسقاط النظام ، والوصول إلى سدة الحكم بالسلاح .
وأما الثاني .. فهو يشرعن الانقلابات ، ويعطي الحق ، لأي قائد عسكري أو سياسي عبقري ، بإزاحة الحاكم واستلام الحكم بالقوة ، أو بالحيلة والتآمر والغدر .
وأما الثالث .. فهو يشرعن العصيان والفوضى ، والاحتكام لصوت الشارع وما يقول ، والغوغاء وما تريد .
وقد تبين وتأكد ، للقاصي والداني والسابق واللاحق ، أن الدول التي تلجأ فيها شعوبها إلى هاته الطرق الثلاث ، غالبا ما تغرق قي الفوضى والصراعات القاتلة ، وإذا نجحت ، فلأجل مسمى .. وسرعان ما تعود الخلافات والقلاقل ، التي تزعزع أمنها وتهدد استقرارها وتقوض أركانها ، وما تكاد تخرج من فوضى ، حتى تدخل في أخرى أشد وأنكى .

أما الخيار الرابع .. فهو خيار التغيير الأضمن ، وأسلوب الإصلاح الأنجع ، وصمام الأمان الأوكد ، والطريق الأقل تكلفة ، لتحقيق التداول السلمي علي السلطة ، والمحافظة على وجود الدولة واستقرارها ، وتقدمها وازدهارها ودوامها .

ومع الأسف الشديد .. فرغم قناعة الشعوب والأمم الواعية ، وتجارب الدول المتقدمة السامية ، وتأكد العلماء والعقلاء وأصحاب الهمم العالية ، من صحة وصواب هذا الخيار .. رغم هذا ، مازال فينا وبيننا وعندنا ، من يركب رأسه ، ويصر معاندا ، على تبني الحلول الفاسدة ، وتكرار التجارب الفاشلة ، وركوب الأمواج الخطيرة القاتلة .

وإلا .. أخبروني بربكم .. كيف نفسر ، قبول بعض من أبنائنا وإخواننا ، تلك الشعارات العبثية العدمية ، التي طغت على حراك الثلثاء الطلابي ، وحراك الجمعة الشعبي .. تتنحاو قع .. تروحوا قع .. تتحاسبوا قع ... حتى إذا تعفنت الأوضاع وتعقدت ، وخرجت الأمور عن السيطرة وانفلتت ، لاسمح الله ولا قدر .. سمعنا شعار الختام ، ونداء الظلام .. تموتوا قع .. نسأل الله أن يحفظ شعبنا وبلادنا ، من كل شر وسوء وبلاء .

فهل طال علينا الأمد ، نحن الجزائريين والجزائريات ، فقست قلوبنا وطاشت عقولنا ، ونسينا الأحداث التي كانت ، والدماء التي سالت ، والجراح التي غارت ، والأرواح التي زهقت ، والبيوت التي حرقت ، والأموال التي تلفت ، والأعراض التي انتهكت ، والخراب الذي لحق البلاد ، والرعب الذي سكن العباد .. حتى ظن أعقلنا وقال قائلنا ، أن النقمة قد حلت ، وأن القيامة قد قامت ، وأن الناس إلى هلاك لا محالة ، وأن لا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه ، وأن الله هو الستار الحفيظ .

لهذا ولغيره ، كان الخيار الدستوري ، الذي تمسكت به القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي ، وعلى رأسها الأب المجاهد ، الفريق أحمد قايد صالح ، هو الخيار الأضمن ، والقرار الأقوم ، والطريق الأسلم ، لبلوغ سفينة الجزائر شاطئ الأمان ، ووصول الشعب إلى بر السلام ، حتى نعيش جميعا ، في نظام وانتظام ، وأخوة ووئام .

ورغم كل النقائص والتجاوزات ، التي شابت هذا الخيار .. ورغم كل الحواجز والعقبات ، التي اعترضت هذا المسار .. رغم ذلك ، ها نحن بفضل الله وعونه ، قد وصلنا إلى المحطة الفاصلة ، التي تكون إن شاء الله تعالى ، حدا فاصلا ، بين مرحلة ومرحلة ، وبين نظام ونظام .

فيا أيها الجزائريون ، ويا أيتها الجزائريات .. يا أبناء وطننا المفدى ..

نحن مدعوون وإياكم ، إلى موعد تاريخي هام ، نثبت فيه وجودنا ، ونقرر فيه مصير دولتنا ، ونضع حدا لسنوات التيه والضياع ، التي عشناها وتحملنا عذابها رغم أنوفنا .
موعد حاسم .. ويوم مشهود ، من أيام الجزائر المستقلة .. نختار فيه رئيسا جديدا للبلاد والعباد ، رئيسا منتخبا شرعيا ، يسهر على تسيير شؤون الدولة باسم الشعب السيد ، في إطار الدستور والقوانين المعتمدة ، لنضع بانتخابه حدا ، للتسيير المؤقت والمؤسسات المؤقة والرئيس المعين .. إنه يوم الخميس القادم ، الموافق للثاني عشر من شهر ديسمبر 2019م .. فاستعدوا ولا تتهاونوا .. وكونوا جميعا في الموعد ولا تتأخروا .. فإن لهذا اليوم ما بعده .. إنه الاستحقاق الرئاسي الموعود .

هذا الإستحقاق الذي تقدم له ، خمسة من أبناء الجزائر العميقة ، كلهم من الأسماء السياسية المعروفة .. قادة أحزاب ، ورجال دولة ، وصناع رأي .. يؤمنون كلهم بالثوابت والقيم الوطنية ، ويتمسكون بالمبادئ النوفمبرية ، ويرافعون لصالح الجزائر الدموقراطية والإجتماعية ، ضمن إطار المبادئ الإسلامية .. تنقلوا جميعا ، بين مختلف ولايات الوطن ، وخاطبوا شعبهم ، وطرحوا أفكارهم ، وشرحوا برامجهم ، وقدموا وعودهم .. وقد سمعتم ما قالوا وما وعدوا ، والأمر إليكم ، فانظروا كيف تحكمون ، ومن تختارون .

أيها الشعب الجزائري المسلم ..

لا يخفي عليك ، جهدنا المبدول وسعينا المأمول ، في نصح وتحذير الحاكم والمحكوم .. فكم كتبنا من رسائل مؤدبة حادة ، وقدمنا من مقترحات هادفة جادة ، لو أخذوا بمحتواها وعملوا بمقتضاها ، لكانوا قد جنبوا شعبهم وبلادهم القلاقل والأهوال ، ووفروا عليهم الجهد ووالوقت والمال ، وكانوا اليوم في حال غير هذه الحال .. لكن ، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، ويرحم الله القائل :

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى . . . فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

لقد قلنا لهم ياشعبنا ، بأن الأزمة قد أصبحت أزمات .. والخطر بات أخطارا .. والكارثة المرتقبة ستصير كوارث ، إن لم يحفظنا الله بحفظه ويهدينا إلى سواء السبيل .. فهي أزمة ثقة أولا ، وأزمة أخلاق ثانيا ، وأزمة مؤسسات ثالثا ، وأزمة تسيير رابعا ...

فأزمة الثقة التى نعيشها ، بدأت بين الحاكم والمحكوم ، ثم تطورت فشملت العلاقات بين مكونات المجموعة الوطنية ، ثم تفاقمت فضربت في الصميم ، الروابط التى تحكم المؤسسات الدستورية الكبرى للدولة .. ثم انتشرت كالنار في الهشيم ، تفتت المجتمع شيعا وأحزابا ، وجماعات وأفردا ، كورم سرطاني ، استسلم للقاعدة الفوضوية ، في الانقسام والانشطار ...

... أما الثقة المفقودة ، فلن تعود إلا بحوار عميق وشامل ، تشارك فيه كل الشخصيات والفعاليات ، الممثلة لمختلف التيارات السياسية والإجتماعية والثقافية ، التى تتكون منها المجموعة الوطنية .. يناقشون فيه أهم القضايا الكبرى ، وينتهي بصياغة ميثاق شرف وطني ، يكون بمثابة الوثيقة المرجعية الشاملة ، يمثل الدستور جوهرها ، ومشروع المجتمع الذي حلم به المجاهدون الأطهار ، وقتل في سبيل تحقيقه الشهداء الأبرار ، هو تفاصيلها ..

فالدستور التوافقي هذا ، ينهي أزمة المؤسسات تلقائيا .. ومشروع المجتمع ، يقضي على أزمة الأخلاق تدريجيا .. وتبعا لنتائجهما ، تبرز طلائع النخب التى تجعل من أزمة التسيير، والرشوة والتبذير، حكاية تحكى ، وماض قد ولى ، و أثرا بعد عين ، بعون الله وتوفيقه .

وقلنا لهم وناديناهم وأكدنا لهم :

بأن العودة السريعة ، للمشروع الذي آمن به الشعب واحتضنه ، وضحى من أجله المجاهدون وقاتلوا ، ووقعه الرجال بدمائهم واستشهدوا ، وتركوه إرثا وقاسما مشتركا ، تجتمع حول مبادئه الأجيال ، ويحدد ما هي الدولة التي يحلم بها الأحرار ، دولة جزائرية مستقلة ذات سيادة ، ديمقراطية واجتماعية ، ضمن إطار المبادئ الاسلامية .
دولة جزائرية .. وليست فرنسية ، لا شرقية ولا غربية .
مستقلة .. وليست محتلة ، ولا مستعمرة ، أو تحت الوصاية .
ديمقراطية .. لا طغيان فيها ولا استبداد ، تقر التعددية السياسية ، وتنعم بالحريات الفردية والجماعية ، وتحترم قواعد المواطنة .
اجتماعية .. ضعيف الدخل فيها ، مستور بالعيش الكريم ، وقوي الدخل غني ، في غير بطر ولا رئاء ، وبينهما طبقة وسطى غالبة ، هي العمود الفقري للمجتمع .
ذات سيادة .. لا تقبل أبدا بالوصاية والتبعية ، حرة في اتخاذ القرارات وتحديد المواقف .
كل ذلك .. ضمن إطار المبادئ الاسلامية الخالدة ، التي جاء بها القرآن ، وبيّنها الرسول عليه الصلاة والسلام ، وفصل فيها العلماء الفهماء ، على مر العصور واختلاف الأزمان .

.. إن العودة السريعة إلى هذه المبادئ النوفمبرية ، هي الحصن الحصين ، والسد المنيع ، الذي نحتمي به من كل الرياح العاتية ، التي عصفت وتعصف بدول شتى ، في مختلف أنحاء العالم .

ونحن ، إذ نأكد ونصر ، على صحة وصواب ، مقترحاتنا السابقة .. فإننا نطالب الرئيس القادم ، إذاكان يريد التغيير حقا ، ويسعى إلى الإصلاح صدقا ، أن يستكمل مشروع المصالحة الوطنية ويذهب به إلى نهايته ، خاصة وقد تبين للجميع اليوم ، أن الانقلاب على اختيار الشعب سنة 92 م ، كان خطأ جسيما ، وخطرا عظيما .. كما نقترح في ورشة المراجعة العميقة للدستور ، وكتابة الميثاق الوطني ، أن يناقش مقترح النظام الشامل ، ونمط القانون الإنتخابي الكامل ..

ونقصد بالنظام الشامل : الأنظمة الثلاث في نظام مرن واحد ، الرئاسي الكامل ، والشبه الرئاسي ، والبرلماني .

ونقصد بالنمط الإنتخابي الكامل : الأنماط الانتخابية الثلاث في نمط واحد ، القائمة الفردية ، والقائمة الولائية ، والقائمة الوطنية .

أما النظام الرئاسي الكامل .. فيعتمد تلقائيا ، إذا فاز الرئيس بأغلبية كاسحة ، في انتخابات بمشاركة غالبة في الدور الأول .. وبهذا يكون الشعب السيد ، قد فوض الرئيس المنتخب رسميا ، ليرأس الجمهورية ، ويمثلها ، ويحكمها .. وتكون مهمة البرلمان في هذه الحالة ، هي التشريع والرقابة ، دون الحكم أو المشاركة فيه .

أما النظام الشبه رئاسي .. فيعتمد تلقائيا ، إذافاز الرئيس بأغلبية في الدو ر الأول مهما كانت ، أو أغلبية مقبولة في الدور الثاني ، مع مشاركة مقبولة في الإنتخابات .. وبهذا يكون الشعب السيد ، قد فوض الرئيس المنتخب رسميا ، ليرأس الجمهورية ، ويمثلها ، ويحكمها بالشراكة مع البرلمان المنتخب .. وتكون مهمة البرلمان في هذه الحالة ، هي التشريع والرقابة والمشاركة في الحكم ، عن طريق الحكومة .

أما النظام البرلماني .. فيعتمد تلقائيا ، إذا فاز الرئيس باغلبية ضعيفة في الدور الثاني ، مع مشاركة ضعيفة في الإنتخابات .. وبهذا يكون الشعب السيد ، قد فوض الرئيس المنتخب ، ليرأس الجمهورية ويمثلها ، ورفض أن يفوضه ليحكمها .. وتكون مهمة البرمان في هذه الحالة ، التشريع والرقابة والحكم ، عن طريق الحكومة .

إن هذا النظام الشامل المرن ، هو الذي يحدد القيمة الحقيقية ، للأغلبية والأقلية وينصفهما .. كما يحترم فعلا إرادة الشعب السيد ويثمنها ، ويعطيها حق قدرها .. ولهذا النظام تفاصيل ، سيشتغل عليها الخبراء وفقهاء القانون .

أما النمط الإنتخابي الكامل ، فهو القانون الدقيق العادل ، والضمان الحقيقي القادر ، الذي نستطيع من خلاله ، أن نتجنب كل العيوب والنقائص ، الموجودة في الأنماط الإنتخابية الثلاث عندما تكون منفردة ، ونستفيد من كل المحاسن والمزايا ، التي يتميز بها كل نمط إنتخابي عن غيره ..

فالنمط الإنتخابي الكامل ، يلغي الدور الثاني في القائمة الفردية ، وَيُقَيِّمُ الكتلة الناخبة التي خسرت في الدور الاول وَيُفَعِّلُهَا .. كما يسحب نهائيا ، صلاحية ترتيب القوائم وتعيين راس القائمة من الأحزاب والولاة ، ويعطيها للشعب السيد ، بطريقة تكنولوجية ، لا تلاعب فيها ولا تزوير .. كما يَجْمَعُ وَيُفَعِّلُ بنفس الطريقة ، الكتلة الناخبة المتناثرة وطنيا ، التي خلفها قانون القائمة الولائية .. وكل ذلك يتم في يوم واحد ، وبعملية انتخابية واحدة وفريدة .. وسيشتغل الخبراء وفقهاء القانون على التفاصيل .

في الأخير .. لم يبق لي ، إلا أن أتوجه بكلمة أخوية صريحة وصادقة ، لأبنائنا وإخواننا ، في حراك الثلاثاء والجمعة ، أقدم فيها النصيحة اللازمة ، عملا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي قال : « الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» .. وأقوم من خلالها بواجب النصرة المطلوب ، امتثالا لما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم : »انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره . »

يا أبناءنا .. يا إخواننا ..

إن الشعوب الحية ، هي الشعوب المتحركة المناضلة .. والشعب الجزائري ، واحد من هذه الشعوب ، يذكر إذا ذكرت ، ويمجد إذا مجدت ، ويقدم إلى الصفوف الأولى إذا قدمت ، بل يفضل ويكرم ويكون في مقدمتها .. وإذا كانت الكتابات التارخية ، هي الدليل القاطع على نضالات الشعب فيما مضى .. فإن حراككم اليوم ، يمثل أكبر دليل ، على حيوية هذا الشعب ونضالاته ، وكأنكم تقولون للبعيد والقريب ، أن هذا الشبل من ذاك الأسد ، ومن شابه أباه فما ظلم ..

أيها الشباب الرجال .. لقد تحققت بفضل صبركم ونضالكم ، إنجازات وأهداف وتغييرات ، كانت تعتبر قبل عام فقط ، عند أهل العزم من كبار المناضلين ، أحلاما بعيدة المنال ، وضربا من ضروب الخيال .. ومما زاد المشهد بهاءا وجلالا ، يد الله التي تعمل في الخفاء ، وعنايته وبركته وفضله ، في تسخير مؤسسة الجيش ، التي رافقت الحراك الشعبي ، وسهرت على تنفيذ مطالبه المعقولة ، وجعلت منها واقعا معاشا ، وحقيقة لا خيالا .. والفضل لله من قبل ومن بعد ، ولله عاقبة الأمور .

أيها الرجال الشباب .. لقد غضبتم ، وتفهمت الدولة غضبكم .. وصرختم ، وسمع العالم صراخكم .. وسعيتم ، وقد بارك الله سعيكم .. وطالبتم ، وتحققت مطالبكم المعقولة ، وبقيت أخرى إلى أجل .. وما لا يدرك كله لا يترك جله .. فالثائر يثور ويهدأ ، ويحارب ويسالم .. والعاقل يأخد ويترك ، ويقدم ويؤخر .. والبصير الصادق ، يضرب في كل غنيمة بسهم ، ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها ، كما قال السابقون من السلف ، وأكده اللاحقون من الخلف ..

أيها الشعب الجزائري السيد ..

اعلم هدانا الله وأياك إلى الطريق المستقيم ، أن المقاطعة ، لا تقدم ولا تأخر شيئا ، في ميزان قانون الانتخابات ، وهي فعل سياسي سلبي ، يعبر عن استقالة طوعية من العملية الإنتخابية .. وهي فوق ذلك ، تفويض مجاني ، يسمح لغيرك أن يقرر مصيرك بدلا عنك ..

لهذا .. نصر على دعوتك للمشاركة ، في الاستحقاق الرئاسي يوم الخميس إن شاء الله ، وأن تختار واحدا من المترشحين الخمسة ، تراه مؤهلا لقيادة البلاد والعباد .

فإن لم تجد من بينهم من يقنعك ويرضيك ، فعليك بالمرشح السادس ، وهي الورقة البيضاء .. عبر عن رأيك واثبت وجودك ، وكن رقما له قيمته ، ولا تقبل بالعيش على هامش الأ حداث .. وكن حرا شريفا ، وافعل ذلك بقناعتك وخيارك ، واحرص على إسماع صوتك لمن يهمه الأمر ، في السلطة كان أو في المعارضة ، بالأساليب الصحيحة ، والطرق السلمية ، وضمن الأطر المشروعة ، ومع القيادات الصادقة المسؤولة ..

... وإياك .. ثم إياك إياك ، أن تستجيب إلى نداءات الفوضى والحرق والتخريب ، من أي جهة كانت ..ففيها خسرانك .. ودمار بلادك .. وضياع دينك وعرضك ومالك ..

لأن أصحاب هذه الدعوات حيث ما كانوا ، في النظام أو داخل الأحزاب السياسية .. في صفوف الحركة الإسلامية أو في تنظيمات المجتمع المدني .. لا يحسنون الصيد إلا في المياه العكرة ، ولا يستطيعون التحرك إلا في الظلام الدامس .. فهم يأتونك بليل ، ويتنكرون لك في النهار .. يجلسون معك في الخفاء ، ويتجاهلونك في العلن .. يعرفونك في الرخاء ، ويتبرؤون منك في الشدة .. يحتمون بك عند الخوف ، ويشهدون ضدك بعد الفرج " هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنا يؤفكون".

اللهم لم شملنا ، واجمع فرقتنا ، ووحد كلمتنا ، وفرج همنا ، واكشف كربنا ، وبارك شعبنا ، واحفظ بلادنا من كل شر وسوء ... آآميين .

الجزائر في : 9 ديسمبر 2019
الموافق لـ 12 ربيع الثاني 1441

أخوكم ومحبكم :مدني مزراق